فوزي لقجع وورقة الثقة الأخيرة للمغاربة شعبا ونظاما

فوزي لقجع وورقة الثقة الأخيرة للمغاربة شعبا ونظاما
سياسة / الأحد 06 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

يفرض فوزي لقجع نفسه تدريجيا كأحد أبرز الأسماء التي قد ترسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة في المغرب، بعدما انتقل من موقع المسؤول التقني في تدبير المالية العمومية إلى قلب المنافسة الانتخابية، حاملا معه خطابا مختلفا يقوم على الأرقام والكلفة والآجال، في وقت تبحث فيه السياسة المغربية عن استعادة ثقة واسعة في جدوى المشاركة والانتخاب وقدرة المؤسسات على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.

ويجد حزب الأصالة والمعاصرة في لقجع شخصية قادرة على منح برنامجه الانتخابي بعدا تقنيا وحسابيا يصعب اختزاله في الشعارات، خصوصا أن الرجل يشغل منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، راكم تجربة طويلة في دواليب المالية العمومية، قبل أن يتحول إلى فاعل سياسي داخل المكتب السياسي للحزب استعدادا للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

ويضع لقجع نفسه في مواجهة اختبار سياسي غير مسبوق، لأن دخوله إلى المنافسة الانتخابية لا يجري باعتباره وافدا عاديا على المشهد، بل باعتباره واحدا من أبرز مهندسي الخطاب المالي للحزب، وهو ما يرفع سقف الانتظارات حول قدرته على إقناع الناخب بأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى التزامات مالية قابلة للقياس والمحاسبة.

ويقدم البرنامج الانتخابي لـ«البام» تصورا يمتد لخمس سنوات، ويربط مختلف الالتزامات بكلف مالية وآجال للتنفيذ، وهي النقطة التي جعل منها لقجع واحدة من أهم أدوات خطابه السياسي خلال جولاته التواصلية الأخيرة، مؤكدا أن الأمر يتعلق بتعاقد مع المغاربة يمكن تقييم نتائجه بعد الانتخابات، وليس بمجرد وعود انتخابية عابرة.

ويكشف هذا الاختيار عن محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسياسة على أساس أكثر صرامة، فبدل الاكتفاء بتقديم عناوين عامة حول تحسين المعيشة والتشغيل والخدمات العمومية، يذهب الخطاب الجديد نحو تحديد الموارد والكلفة والمدة، وهي عناصر تمنح الناخب إمكانية أكبر لطرح السؤال الأكثر حساسية بعد انتهاء الولاية: ماذا تحقق فعلا مما تم التعهد به؟

ويطرح البرنامج، بحسب المعطيات التي قدمها الحزب، التزامات مالية كبيرة تمتد إلى القدرة الشرائية والتشغيل والشباب والخدمات العمومية وتقليص الفوارق، بينما تتركز إحدى أبرز رهاناته في جعل النمو الاقتصادي مصدرا أساسيا لتمويل هذه الالتزامات، وهو ما يضع الواقعية المالية في صلب الاختبار السياسي الذي ينتظر «البام».

ويمنح هذا المعطى لقجع تحديا مزدوجا، لأنه مطالب من جهة بالدفاع عن برنامج حزبي طموح، ومن جهة أخرى بإقناع الرأي العام بأن الأرقام المقدمة ليست مجرد حسابات انتخابية، وإنما يمكن ترجمتها إلى موارد حقيقية دون الإخلال بالتوازنات المالية للدولة، وهي النقطة التي بدأت بالفعل تثير نقاشا بين خبراء ومتابعين حول مدى واقعية بعض الالتزامات.

ويكتسب البعد الاجتماعي في خطاب لقجع أهمية خاصة، بعدما جعل القدرة الشرائية في مقدمة الأولويات، ودافع عن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، معتبرا أن تحسين دخل المواطنين لا ينبغي أن يتحول إلى وعد مؤجل إلى ما بعد الانتخابات، بل إلى قرار يمكن الدفع نحوه قبل ظهور نتائج صناديق الاقتراع.

ويحاول الرجل بذلك الانتقال من لغة الأرقام المجردة إلى لغة تمس الحياة اليومية للمغاربة، لأن استعادة الثقة في السياسة لن تمر فقط عبر المؤشرات الاقتصادية الكبرى، وإنما عبر قدرة المواطن على لمس أثر القرارات في الأجر والأسعار والشغل والسكن والصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

ويجعل هذا المسار فوزي لقجع أمام امتحان يتجاوز حدود حزب الأصالة والمعاصرة، لأن نجاحه أو فشله في إقناع الناخب بجدوى هذا النموذج من السياسة قد يؤثر في صورة الفاعل السياسي التقني الذي يدخل الانتخابات حاملا معه تجربة مؤسساتية ومالية طويلة، وفي قدرة الأحزاب على تقديم مرشحين يجمعون بين المعرفة التقنية والقدرة على التواصل السياسي.

ويصعب، في المقابل، الجزم بأن لقجع يمثل فعلا «آخر أمل» للمغاربة أو أن الدولة تراهن عليه وحده لإعادة بناء الثقة، لأن ذلك يظل قراءة سياسية تحتاج إلى مؤشرات انتخابية ومؤسساتية ومجتمعية حتى تتحول إلى حقيقة قابلة للإثبات، غير أن المؤكد هو أن دخوله إلى السباق الانتخابي رفع من مستوى النقاش حول الشخصيات القادرة على الجمع بين تدبير الدولة وخوض السياسة.

ويحمل موعد 23 شتنبر 2026 لهذا السبب أكثر من مجرد تنافس حزبي على المقاعد البرلمانية، إذ سيشكل أيضا اختبارا لمدى استعداد الناخب المغربي لمنح الثقة لخطاب سياسي جديد يقوم على الحسابات والالتزامات المحددة، كما سيختبر قدرة الأحزاب على تحويل البرامج الانتخابية إلى عقود سياسية واضحة يمكن مساءلة أصحابها عنها.

ويجد لقجع نفسه في قلب هذا الاختبار، بعدما انتقل من موقع المسؤول الذي يشتغل خلف أرقام الميزانية إلى موقع السياسي الذي أصبح مطالبا بالدفاع علنا عن اختيارات وبرنامج والتزامات، وهو انتقال يجعل كل رقم يقدمه قابلا للتحول إلى وعد، وكل وعد قابلا للتحول لاحقا إلى معيار للحكم على تجربته السياسية.

ويبدو أن الرهان الحقيقي لن يكون فقط في قدرة لقجع على تصدر الانتخابات أو مساعدة «البام» على تحقيق نتيجة قوية، وإنما في قدرته على تحويل الرصيد التقني والخبرة المالية إلى ثقة سياسية مستدامة، لأن صناديق الاقتراع قد تمنح الشرعية الانتخابية، لكنها وحدها لا تكفي لصناعة الثقة إذا لم تتبعها نتائج محسوسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وتقترب الانتخابات المقبلة، بذلك، من وضع لقجع أمام امتحان تاريخي: إما أن ينجح في تحويل لغة الأرقام إلى لغة ثقة، ويثبت أن السياسة يمكن أن تستعيد جزءا من مصداقيتها عبر الالتزام والمحاسبة والنتائج، أو أن تظل تجربته واحدة من المحاولات التي اصطدمت بالفجوة القديمة بين ما يقال في الحملات الانتخابية وما يتحقق بعد الوصول إلى مواقع القرار.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك