أنتلجنسيا:أبو جاسر
أعاد المجلس الأعلى للحسابات تفجير واحد من أكثر الملفات حساسية داخل المالية العمومية المغربية، بعدما كشف أن الدولة تخلت خلال سنة 2024 عن ما يقارب 31.5 مليار درهم من المداخيل الضريبية عبر منظومة واسعة من الإعفاءات والامتيازات الجبائية، في وقت ما تزال فيه أسئلة الجدوى والفعالية والمردودية الاقتصادية معلقة دون أجوبة حاسمة، وسط استمرار العمل بتدابير يعود بعضها إلى سنوات طويلة مضت.
ووفق المعطيات الرسمية الواردة في تقرير تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، فإن حجم ما تتنازل عنه الدولة من موارد ضريبية سنوياً بات يثير علامات استفهام متزايدة، خاصة أن هذه المبالغ الضخمة تعادل جزءاً مهماً من المداخيل الجبائية الوطنية، وتقترب من مستويات قادرة على تمويل مشاريع استراتيجية كبرى في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والتشغيل والبنيات التحتية.
ولا يتعلق الأمر بأموال تصرفها الخزينة بشكل مباشر، بل بإيرادات ضريبية كان من الممكن أن تدخل إلى خزائن الدولة لولا وجود استثناءات وإعفاءات وتخفيضات ضريبية منحت لفئات وقطاعات مختلفة تحت مبررات اقتصادية واجتماعية وتنموية. غير أن السؤال الذي بات يفرض نفسه بقوة هو: هل تحقق هذه الامتيازات فعلاً الأهداف التي أنشئت من أجلها أم أنها تحولت إلى امتيازات دائمة يصعب المساس بها؟
ورغم تراجع الكلفة الإجمالية لهذه النفقات مقارنة بالسنوات السابقة، فإن الرقم المسجل سنة 2024 ظل مرتفعاً بشكل لافت، حيث بلغ 31 ملياراً و493 مليون درهم، أي ما يناهز 3150 مليار سنتيم، وهو مبلغ يكشف حجم الموارد التي تتخلى عنها الدولة سنوياً في إطار سياساتها الجبائية الاستثنائية.
والأكثر إثارة للانتباه أن هذا الرقم لا يعكس الصورة الكاملة للمنظومة، إذ أشار المجلس الأعلى للحسابات إلى أن 39 تدبيراً ضريبياً استثنائياً لم تشملها عملية تقييم الكلفة المالية، ما يعني أن الكلفة الحقيقية قد تكون أعلى من الرقم المعلن، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى دقة الصورة المالية المتوفرة لدى صناع القرار.
وتكشف الأرقام أن الضريبة على القيمة المضافة تستحوذ وحدها على النصيب الأكبر من هذه الامتيازات بكلفة تقارب 15 مليار درهم، أي ما يقارب نصف إجمالي النفقات الجبائية، تليها الإعفاءات المرتبطة بالضريبة على الدخل، ثم الامتيازات الخاصة بعقود التأمين والضريبة على الشركات.
أما على مستوى القطاعات المستفيدة، فقد تصدر مجال الأمن والاحتياط الاجتماعي القائمة بحوالي 7.6 مليارات درهم، يليه قطاع إنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز بأكثر من 6.5 مليارات درهم، ثم القطاع العقاري بما يفوق 5.5 مليارات درهم، وهو ما يعني أن هذه المجالات الثلاثة وحدها تستحوذ على أكثر من نصف القيمة الإجمالية للإعفاءات الجبائية الممنوحة خلال سنة واحدة.
لكن المعطى الذي يضع الحكومة في موقف محرج لا يرتبط فقط بحجم الأموال المتنازل عنها، بل بعمر التدابير التي تستهلك معظم هذه الموارد. فالتقرير كشف أن الإجراءات التي تم اعتمادها قبل سنة 2020 تستحوذ وحدها على نحو 97 في المائة من إجمالي الكلفة المالية لهذه الامتيازات، بينما لا تمثل التدابير الجديدة سوى جزء ضئيل للغاية من النفقات المسجلة.
وبالأرقام الصادمة، بلغت كلفة التدابير القديمة حوالي 30.6 مليار درهم من أصل 31.5 مليار درهم، مقابل أقل من 400 مليون درهم فقط بالنسبة للإجراءات التي جاء بها قانون المالية لسنة 2024، ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مدى استمرار مبررات هذه الامتيازات بعد سنوات طويلة من العمل بها.
ويضع هذا الواقع وزارة الاقتصاد والمالية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على إثبات أن كل مليار تتخلى عنه الدولة يحقق عائداً اقتصادياً أو اجتماعياً واضحاً وقابلاً للقياس. فالمجلس الأعلى للحسابات لم يدع إلى إلغاء الإعفاءات بشكل شامل، لكنه شدد على ضرورة إخضاعها لتقييم دوري وصارم يحدد ما إذا كانت ما تزال تحقق الأهداف التي أنشئت من أجلها أم أنها تحولت إلى امتيازات تستنزف الموارد العمومية دون نتائج ملموسة.
وفي ظل الضغوط المتزايدة على الميزانية العمومية وارتفاع حاجيات التمويل العمومي، يتحول ملف النفقات الجبائية من مجرد معطى تقني إلى قضية سياسية واقتصادية كبرى، لأن الأمر لا يتعلق فقط بمليارات الدراهم التي لا تدخل خزينة الدولة، بل أيضاً بمدى قدرة الحكومة على تبرير استمرار هذا النزيف الضريبي أمام المغاربة الذين ينتظرون خدمات عمومية أفضل وتنمية أكثر عدالة وفعالية.
وبينما تتحدث الحكومة عن الإصلاح وترشيد النفقات وتحسين المردودية الاقتصادية، يضع تقرير المجلس الأعلى للحسابات إصبعه على واحدة من أكثر المناطق غموضاً داخل المالية العمومية، موجهاً سؤالاً مباشراً لا يمكن القفز عليه: من يستفيد فعلاً من هذه الامتيازات الضريبية الضخمة، وهل ما زالت تحقق المصلحة العامة أم أن الوقت قد حان لإعادة فتح هذا الملف من جذوره؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك