أنتلجنسيا:أبو آلاء
فجر عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، موجة جديدة من الجدل السياسي بعدما طالب بفتح تحقيق شامل في الأحداث الدراماتيكية التي شهدها محيط سبتة المحتلة، معتبرا أن ما جرى لا يمكن أن يمر دون كشف كامل للحقيقة وتحديد المسؤوليات في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للصدمة في المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وفي تصريحات قوية خلال اجتماع استثنائي للأمانة العامة لحزبه، عبر رئيس الحكومة الأسبق عن ذهوله مما شاهده على الأرض، مؤكدا أنه ما يزال يعيش تحت تأثير الصدمة بسبب مشاهد التدفق الجماعي لآلاف المغاربة نحو الحدود، وما رافق ذلك من وفيات وإصابات وحالات اختفاء أثارت تساؤلات واسعة داخل الرأي العام المغربي.
وأوضح بنكيران أن الملف تجاوز حدود النقاش السياسي العادي، وأصبح قضية وطنية تستوجب تدخلا على أعلى مستوى، داعيا إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بأمر ملكي من أجل الكشف عن جميع الملابسات المحيطة بما حدث، وتمكين المغاربة من الاطلاع على الحقيقة كاملة بعيدا عن التأويلات والروايات المتناقضة.
وكشف الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أنه كان متواجدا بمدينة تطوان للمشاركة في الاحتفالات الرسمية بعيد العرش، قبل أن يفاجأ بمشاهد وصفها بالصادمة، حيث تدفقت أعداد هائلة من المواطنين في اتجاه الحدود مع سبتة. وأضاف أن الأمر لم يكن يتعلق بحالات فردية أو مجموعات صغيرة، بل بحشود بشرية ضخمة ضمت شبابا ونساء وأطفالا وعائلات كاملة كانت تتحرك نحو وجهة واحدة في ظروف استثنائية.
وبحسب رواية بنكيران، فإن المشهد كان مقلقا إلى درجة دفعت العديد من المتابعين إلى التساؤل حول الأسباب الحقيقية التي جعلت هذا العدد الكبير من المغاربة يغامر بحياته من أجل الوصول إلى المدينة المحتلة. وأشار إلى أن العديد من الشبان كانوا يسيرون في ظروف صعبة للغاية، بعضهم دون مؤونة أو تجهيزات أساسية، وكأنهم فقدوا كل خوف من المخاطر التي قد تعترض طريقهم.
ولم يخف رئيس الحكومة الأسبق شعوره بالمرارة وهو يقارن بين أجواء الاحتفال الرسمي بعيد العرش وبين ما كان يجري في محيط الحدود من مشاهد إنسانية مؤلمة، معتبرا أن هذا التناقض الحاد يطرح أسئلة عميقة حول الواقع الاجتماعي والنفسي الذي يعيشه جزء من الشباب المغربي.
وفي واحدة من أكثر تصريحاته إثارة، كشف بنكيران أنه فكر جديا في مغادرة العمل السياسي نهائيا تحت وقع الصدمة، قبل أن يتراجع عن الفكرة بسبب إحساسه بالمسؤولية الوطنية، معتبرا أن ما حدث يعكس أزمة ثقة حقيقية لدى فئات واسعة من الشباب التي لم تعد ترى مستقبلا واضحا داخل الوطن.
ورغم تحميله الحكومة جزءا من المسؤولية، رفض بنكيران اختزال القضية في أداء السلطة التنفيذية وحدها، مؤكدا أن الأمر يتعلق بملف يهم الدولة بمختلف مؤسساتها ويتطلب مراجعة شاملة للأسباب والعوامل التي أدت إلى هذه التطورات غير المسبوقة.
كما حذر من التداعيات الخارجية للأزمة، مشيرا إلى أن أحداث سبتة تحولت إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي داخل إسبانيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل كشف الحقيقة ضرورة وطنية لحماية صورة المغرب وتقديم إجابات واضحة للرأي العام الداخلي والخارجي.
وشدد بنكيران على أن تشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبح ضرورة ملحة بالنظر إلى حجم الخسائر البشرية والأسئلة العالقة التي ما تزال دون أجوبة. وأكد أن ما وقع "غير مفهوم وغير مقبول" مهما كانت الجهات أو الظروف التي تقف وراءه، وأن احترام المواطنين يقتضي كشف الحقيقة كاملة وترتيب المسؤوليات بكل وضوح.
وختم الأمين العام لحزب العدالة والتنمية مداخلته بالتأكيد على أن إثارة هذا الملف لا تهدف إلى خلق التوتر أو تأجيج الخلافات، بل إلى تعزيز الثقة في المؤسسات وحماية الاستقرار عبر المصارحة والشفافية، معتبرا أن المغرب بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أجوبة واضحة بشأن واحدة من أخطر أزمات العبور الجماعي التي هزت البلاد وأثارت صدمة واسعة داخل المجتمع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك