"أطاك المغرب":مأساة سبتة ليست هجرة بل انهيار سياسي واجتماعي مدوٍّ

"أطاك المغرب":مأساة سبتة ليست هجرة بل انهيار سياسي واجتماعي مدوٍّ
سياسة / الأحد 02 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

رفعت جمعية أطاك المغرب سقف خطابها إلى أقصى درجات التصعيد عقب الأحداث الدامية التي شهدتها الحدود الفاصلة مع مدينة سبتة المحتلة، معتبرة أن ما وقع خلال الأيام الأخيرة لا يمكن اختزاله في مجرد موجة هجرة جماعية، بل يمثل مؤشراً خطيراً على عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها المغرب، وعلى فشل المقاربات المعتمدة في تدبير ملفات التشغيل والعدالة الاجتماعية والهجرة.

وفي بيان شديد اللهجة، عبرت الجمعية عن صدمتها مما وصفته بالمشاهد المأساوية التي تحولت فيها سواحل ومحيط سبتة إلى فضاء للموت واليأس، بعدما شهدت المنطقة عبور أعداد ضخمة من المغاربة نحو المدينة المحتلة في ظرف زمني قياسي، في واحدة من أكبر موجات النزوح الجماعي التي عرفتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.

واعتبرت الجمعية أن الأرقام المتداولة حول عدد الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة، إلى جانب الحصيلة الثقيلة للضحايا والمفقودين، تعكس حجم الانفجار الاجتماعي الذي لم يعد بالإمكان إخفاؤه أو التقليل من خطورته، مؤكدة أن آلاف الشباب الذين خاطروا بحياتهم لم يفعلوا ذلك بدافع المغامرة، وإنما نتيجة شعور متزايد بانسداد الأفق وغياب البدائل الاقتصادية والاجتماعية القادرة على توفير الحد الأدنى من الكرامة والأمل.

وربطت أطاك المغرب ما جرى بسياسات عمومية قالت إنها عمقت الفوارق الاجتماعية ووسعت دائرة الهشاشة والبطالة، خاصة في صفوف الشباب، معتبرة أن النموذج الاقتصادي السائد راكم الثروة لدى فئات محدودة مقابل تراجع أوضاع شرائح واسعة من المواطنين الذين أصبحوا يرون في الهجرة الخيار الوحيد للهروب من واقع مأزوم.

ولم تكتف الجمعية بانتقاد الأوضاع الداخلية، بل وجهت اتهامات مباشرة إلى السياسات الأوروبية في مجال الهجرة، معتبرة أن الاتحاد الأوروبي نقل حدوده عملياً إلى الضفة الجنوبية للمتوسط عبر تحويل دول شمال إفريقيا إلى خط دفاع متقدم لمنع المهاجرين من الوصول إلى الأراضي الأوروبية. وأكدت أن هذا النموذج القائم على المراقبة الأمنية والعسكرة والردع أثبت فشله، بعدما انتهى إلى إنتاج مآسٍ إنسانية متكررة بدل معالجة الأسباب الحقيقية للهجرة.

كما انتقدت الجمعية بشدة ما وصفته بتحويل المغرب إلى "حارس حدود" لصالح أوروبا، معتبرة أن تشديد المراقبة على التنقلات الداخلية ومحاصرة الراغبين في الوصول إلى المناطق الحدودية يطرح أسئلة كبيرة حول حرية التنقل داخل التراب الوطني وحدود التدخل الأمني في مواجهة الظواهر الاجتماعية.

وأثارت أطاك المغرب أيضاً ملف المواجهات التي شهدتها المناطق المحاذية لسبتة، مطالبة بفتح تحقيق مستقل وشفاف بشأن جميع الوقائع التي رافقت التدخلات الأمنية، بما في ذلك التقارير التي تحدثت عن استعمال وسائل القوة خلال عمليات منع الوصول إلى الحدود، داعية إلى كشف الحقيقة كاملة وترتيب المسؤوليات بعيداً عن أي منطق للتعتيم أو الإفلات من المحاسبة.

وفي قراءتها للأزمة، ذهبت الجمعية أبعد من البعد المحلي والإقليمي، معتبرة أن الهجرة القسرية التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم ترتبط أيضاً بمنظومة اقتصادية عالمية قائمة على التبعية والمديونية وسياسات التقشف التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية، والتي تؤدي، بحسب البيان، إلى تآكل فرص الشغل وتراجع الخدمات العمومية وتعميق الفوارق بين دول الشمال والجنوب.

وأكدت الجمعية أن مأساة سبتة كشفت بشكل غير مسبوق هشاشة السياسات المعتمدة في تدبير ملف الهجرة، وأظهرت أن المقاربات الأمنية وحدها عاجزة عن مواجهة ظاهرة ترتبط أساساً بالعدالة الاجتماعية والتنمية وتوزيع الثروة وحق المواطنين في حياة كريمة داخل أوطانهم.

وختمت أطاك المغرب موقفها بالدعوة إلى توسيع جبهة التضامن بين القوى المناهضة لما تصفه بالتبعية الاقتصادية والسياسية، كما طالبت بإلغاء الديون المفروضة على الدول الإفريقية وإقرار ما اعتبرته "ديناً تاريخياً وبيئياً" مستحقاً على القوى الاستعمارية القديمة والجديدة، معتبرة أن معالجة جذور الهجرة تبدأ من بناء نموذج تنموي يضع الإنسان في قلب السياسات العمومية بدل الاكتفاء بتشديد الرقابة على الحدود وإدارة الأزمات بعد وقوعها.

وبينما تتواصل الصدمة التي خلفتها أحداث سبتة داخل المغرب وخارجه، يضيف بيان أطاك صوتاً جديداً إلى الأصوات التي ترى أن ما حدث ليس مجرد أزمة حدودية عابرة، بل جرس إنذار مدوٍ يكشف حجم الاختلالات المتراكمة التي تدفع آلاف الشباب إلى البحث عن الخلاص خارج الوطن مهما كانت المخاطر والثمن.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك