قانون مالية بلا أنياب والبرلمان يتراجع والحكومة ترفض والغائب الأكبر هو الرقابة الحقيقية

قانون مالية بلا أنياب والبرلمان يتراجع والحكومة ترفض والغائب الأكبر هو الرقابة الحقيقية
سياسة / السبت 06 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

أزاح تقرير حديث الستار عن صورة مقلقة لمسار مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، كاشفاً عن تراجع غير مسبوق في عدد التعديلات البرلمانية وتضاؤل تأثير المؤسسة التشريعية على واحدة من أهم الوثائق التي تحدد توجهات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، في مشهد يطرح أسئلة حقيقية حول فعالية الرقابة البرلمانية وحدود مساهمة النواب والمستشارين في صناعة القرار المالي.

المعطيات الواردة في تقرير "قانون المالية 2026: من الإعداد إلى المصادقة"، الصادر عن جمعية "سمسم-مشارك مواطنة"، أظهرت أن منحنى التعديلات البرلمانية واصل هبوطه الحاد خلال السنوات الأخيرة. فبعدما تجاوز عدد التعديلات المقدمة بمجلس النواب حاجز ألفي تعديل سنة 2023، انكمش الرقم بشكل لافت خلال السنوات اللاحقة إلى أن استقر عند 350 تعديلاً فقط سنة 2026، وهو أدنى مستوى تم تسجيله خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2026.

وكشفت الأرقام أن المعارضة كانت المحرك الأساسي للنقاش التعديلي داخل البرلمان، بعدما تقدمت بالغالبية الساحقة من المقترحات المرتبطة بالجزء الأول من مشروع القانون المالي. فقد استحوذت فرق المعارضة على أكثر من تسعين في المائة من مجموع التعديلات المقدمة، بينما ظل حضور الأغلبية باهتاً من حيث المبادرة التعديلية، مكتفية بعدد محدود من المقترحات مقارنة بما قدمته مكونات المعارضة.

وتصدر فريق العدالة والتنمية قائمة أكثر الفرق تقديماً للتعديلات، متبوعاً بالفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، ثم الفريق الحركي وفريق التقدم والاشتراكية، في حين سجلت النائبة فاطمة التامني حضوراً بارزاً بعدد مهم من المقترحات التعديلية، ما يعكس استمرار المعارضة في محاولة التأثير على مضامين المشروع رغم محدودية فرص القبول.

غير أن المفارقة الكبرى التي سلط التقرير الضوء عليها تتجلى في حجم الهوة الفاصلة بين المبادرات البرلمانية والاستجابة الحكومية. فبعد غربلة التعديلات وسحب عدد منها، لم توافق الحكومة سوى على نسبة محدودة جداً من المقترحات المحتفظ بها، وهو ما يؤكد استمرار ضعف التفاعل مع التعديلات البرلمانية ويجعل أثرها على الصيغة النهائية للقانون المالي محدوداً للغاية.

وسجل التقرير أيضاً استمرار التراجع في نسب قبول التعديلات مقارنة بالسنوات الماضية، ما يعزز الانطباع بأن النقاش البرلماني حول قانون المالية أصبح في كثير من الأحيان أقرب إلى تمرين سياسي منه إلى عملية تشريعية قادرة فعلاً على تعديل جوهر الاختيارات الحكومية.

ولم تقف المؤشرات السلبية عند حدود التعديلات فقط، بل امتدت إلى نسب الحضور خلال مناقشة الميزانيات الفرعية داخل اللجان النيابية، حيث أبانت المعطيات عن مشاركة متواضعة للنواب في واحدة من أهم مراحل دراسة النفقات العمومية والسياسات القطاعية. كما سجلت جلسات التصويت النهائية نسب حضور اعتبرت من الأضعف خلال السنوات الأربع الأخيرة، في وقت يفترض فيه أن تحظى مناقشة قانون المالية بأقصى درجات التعبئة والانخراط البرلماني.

أما خلال القراءة الثانية للمصادقة النهائية، فقد تراجعت نسبة الحضور إلى مستويات أثارت الكثير من علامات الاستفهام، بعدما غاب عدد كبير من النواب عن محطة تشريعية تحدد ملامح السياسة المالية للدولة لسنة كاملة، وهو ما يعكس أزمة متنامية في التفاعل مع الملفات الكبرى داخل المؤسسة التشريعية.

وعلى مستوى مجلس المستشارين، لم يكن الوضع مختلفاً كثيراً، إذ أظهرت الأرقام استمرار تراجع المبادرة التعديلية سنة بعد أخرى، مع انخفاض عدد المقترحات المقدمة إلى أدنى مستوياته خلال الفترة الأخيرة. كما ظلت نسبة قبول الحكومة لهذه التعديلات محدودة للغاية، ما يعكس استمرار ضعف تأثير الغرفة الثانية على الصيغة النهائية لمشاريع قوانين المالية.

وتكشف هذه المؤشرات مجتمعة عن واقع يثير الجدل بشأن دور البرلمان في رسم السياسات المالية العمومية، حيث تتراجع التعديلات، وتضعف نسب الحضور، وتتقلص فرص قبول المقترحات، بينما يمر قانون المالية في النهاية بهامش محدود من التغيير، ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول فعالية العمل البرلماني وحدود تأثيره في القرارات الاقتصادية الكبرى التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك