أنتلجنسيا:أبو فراس
عاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى واجهة النقاش العمومي مدافعا بقوة عن حصيلة حزبه الحكومية وموجها سهام الانتقاد إلى ما يعتبره هيمنة للمال والنفوذ على المشهد السياسي، داعيا المغاربة إلى منح الثقة لمرشحي "المصباح" خلال الاستحقاقات المقبلة باعتبارهم، وفق تصوره، الأقرب إلى قيم النزاهة والاستقامة وخدمة المصلحة العامة.
وخلال لقاء سياسي احتضنته جماعة بني تجيت بإقليم فجيج، اختار بنكيران أن يعيد تسويق الصورة التي يسعى الحزب إلى ترسيخها منذ سنوات، وهي صورة الفاعل السياسي المرتبط بما يسميه "المعقول" في التدبير العمومي، معتبرا أن تدبير شؤون المواطنين لا يمكن أن ينجح إلا إذا أوكل إلى مسؤولين يتحلون بالنزاهة والعدل ويضعون خدمة الوطن والمواطنين فوق الحسابات الضيقة والمصالح الشخصية.
ولم يفوت زعيم العدالة والتنمية الفرصة دون استحضار فترة قيادته للحكومة، حيث استعرض جملة من الإجراءات الاجتماعية التي يرى أنها شكلت مكاسب لفئات واسعة من المجتمع، من بينها إحداث دعم خاص بالأرامل، وتوفير منح لفائدة طلبة التكوين المهني، وتحسين معاشات المتقاعدين، مقدما هذه التدابير كدليل على أن حزبه لم يكن بعيدا عن هموم الفئات الهشة والطبقات المتوسطة.
وفي مواجهة الانتقادات التي لاحقت حكومته لسنوات بسبب قرارات اقتصادية مثيرة للجدل، جدد بنكيران دفاعه عن إصلاح صندوق المقاصة، معتبرا أن القرار كان مؤلما لكنه فرضته ضرورات الحفاظ على التوازنات المالية للدولة. كما تمسك بموقفه المؤيد لإصلاح نظام التقاعد، مؤكدا أن تلك الخطوة جنبت الصندوق مخاطر الإفلاس وضمنت استمرارية صرف المعاشات للأجيال الحالية والمقبلة.
أما ملف المحروقات، الذي ظل من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال ولايته الحكومية، فقد سعى بنكيران إلى رفع المسؤولية عن حكومته فيما يتعلق بارتفاع الأسعار، مؤكدا أن الإجراءات التي اتخذتها لم تكن سببا مباشرا في الغلاء، بل جاءت ـ حسب قوله ـ لوضع حد لما اعتبره استنزافا للمال العام، مستحضرا تقارير ومواقف سابقة لمجلس المنافسة بشأن اختلالات السوق والممارسات غير التنافسية.
وفي سياق متصل، أشاد الأمين العام للحزب بأداء المجموعة النيابية للعدالة والتنمية داخل البرلمان، معتبرا أنها تواصل لعب دور المعارضة الرقابية والدفاع عن مواقف الحزب بقوة، في وقت يسعى فيه الحزب إلى استعادة جزء من حضوره السياسي بعد الهزيمة القاسية التي تعرض لها في انتخابات 2021.
كما استغل بنكيران المناسبة لتوجيه رسائل مباشرة إلى الناخبين، داعيا إياهم إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات المقبلة وعدم ترك المجال لما وصفه بتأثير المال الانتخابي. وأكد أن معيار التصويت يجب أن يكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المواطنين، مضيفا أنه لا يمانع في منح الأصوات لمرشحين من خارج حزبه إذا كانوا أفضل من مرشحي العدالة والتنمية، لكنه حذر في المقابل من الانسياق وراء الوعود الكاذبة أو شراء الذمم واستعمال النفوذ المالي للتأثير على الإرادة الشعبية.
ويأتي هذا الخطاب في وقت بدأت فيه ملامح التنافس على انتخابات 2026 تتشكل بشكل متسارع، حيث يسعى حزب العدالة والتنمية إلى إعادة تقديم نفسه كبديل سياسي قادر على استعادة ثقة جزء من الناخبين الغاضبين من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بينما يرى خصومه أن الحزب يحاول إعادة تسويق تجربة حكومية ما تزال محل جدل واسع بسبب قراراتها الاقتصادية والاجتماعية التي خلفت آثارا لا تزال حاضرة في ذاكرة شريحة كبيرة من المغاربة.
وبين خطاب "المعقول" الذي يرفعه بنكيران وشعارات محاربة المال والريع، وبين الانتقادات التي تلاحق حصيلة الحزب خلال عقد كامل من تدبير الحكومة، تبدو معركة استعادة ثقة الناخبين واحدة من أصعب التحديات التي تواجه "المصباح" قبل موعد انتخابي قد يعيد رسم الخريطة السياسية للمغرب من جديد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك