أنتلجنسيا:أبو فراس
وجه حزب التقدم والاشتراكية انتقادات غير مسبوقة إلى الحكومة، معتبراً أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه المغاربة يكشف حجم الاختلالات التي راكمها التدبير الحكومي خلال السنوات الأخيرة، ويؤكد اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي وما يواجهه المواطنون يومياً من أعباء معيشية متزايدة.
فخلال اجتماعه الدوري، رسم المكتب السياسي للحزب صورة قاتمة للأوضاع الاجتماعية، محذراً من استمرار موجة الغلاء التي تضرب أسعار المحروقات والمواد الاستهلاكية والخدمات الأساسية، في ظل ما وصفه بغياب إجراءات حكومية قوية وفعالة لحماية القدرة الشرائية للأسر المغربية. واعتبر الحزب أن تكاليف المعيشة بلغت مستويات مقلقة أصبحت تثقل كاهل الفئات الهشة والطبقة المتوسطة على حد سواء، وسط شعور متنامٍ بالإحباط من عجز السياسات العمومية عن كبح جماح الأسعار.
ولم يخف الحزب استياءه من الطريقة التي تم بها تدبير ملف الأضاحي خلال عيد الأضحى، حيث اعتبر أن ما عاشته الأسواق من ندرة في العرض وارتفاع قياسي للأسعار شكل صدمة حقيقية لآلاف الأسر المغربية التي وجدت نفسها عاجزة عن اقتناء الأضحية أو مضطرة إلى دفع مبالغ باهظة من أجل الحفاظ على هذه الشعيرة الدينية ذات البعد الاجتماعي العميق.
ورأى الحزب أن ما وقع في الأسواق نسف عملياً كل التطمينات التي صدرت في وقت سابق عن مسؤولين حكوميين بشأن وفرة القطيع واستقرار الأسعار، معتبراً أن الواقع الميداني جاء معاكساً تماماً للتصريحات الرسمية. وذهب إلى اعتبار أن هذه التطورات تعري ما وصفه بفشل السياسة الفلاحية الحكومية، رغم الموارد المالية الضخمة التي تم ضخها في برامج دعم قطاع الماشية وإعادة تكوين القطيع الوطني.
كما أثار الحزب من جديد ملف الدعم العمومي الموجه للقطاع، مشيراً إلى أن المبالغ المرصودة لم تنعكس بالشكل المطلوب على الأسواق ولا على المواطنين، في وقت ما زالت فيه الشكوك قائمة حول نجاعة بعض التدابير المعتمدة ومدى استفادة الفئات المستهدفة منها. واعتبر أن استمرار تحكم الوسطاء والمضاربين في السوق يكشف محدودية آليات المراقبة ويؤكد الحاجة إلى مراجعة شاملة للمقاربات المعتمدة.
وفي سياق آخر، توقف المكتب السياسي عند الحرائق التي شهدتها مناطق بإقليمي سطات وبرشيد، والتي خلفت خسائر بشرية ومادية مؤلمة، مسجلاً تضامنه مع الأسر المتضررة والفلاحين الذين فقدوا محاصيلهم ومواشيهم وممتلكاتهم. وفي الوقت ذاته، دعا إلى استخلاص الدروس من هذه الكارثة عبر تعزيز وسائل التدخل السريع والرفع من جاهزية أجهزة الوقاية والاستجابة للطوارئ.
وأكد الحزب أن مواجهة مثل هذه الكوارث لا يمكن أن تقتصر على التدخل بعد وقوعها، بل تتطلب استراتيجية استباقية قائمة على تقييم المخاطر وتحديد مكامن الخلل والمسؤوليات المحتملة، مع اعتماد سياسات وقائية تقلل من حجم الخسائر مستقبلاً. كما شدد على ضرورة صرف تعويضات عاجلة ومنصفة لفائدة الأسر والفلاحين المتضررين في إطار التضامن الوطني.
وعلى الصعيد السياسي، عبر حزب التقدم والاشتراكية عن قلقه من ضعف الإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية رغم اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة. واعتبر أن البرود المسجل في التفاعل مع هذه العملية يعكس أزمة أعمق تتعلق بالمناخ السياسي العام وبدرجة ثقة المواطنين في المؤسسات والعملية الانتخابية.
ويرى الحزب أن إنجاح الانتخابات المقبلة لا يرتبط فقط بالجوانب التقنية والتنظيمية، بل يحتاج إلى ضخ نفس ديمقراطي جديد يعيد الاعتبار للمشاركة السياسية ويحفز المواطنين على الانخراط في تدبير الشأن العام. ولهذا دعا إلى تكثيف الحملات التحسيسية والتعبوية من أجل تشجيع التسجيل والمشاركة، باعتبارهما مدخلاً أساسياً لتجديد الحياة السياسية.
أما على المستوى الدولي، فقد جدد الحزب موقفه الداعم للقضية الفلسطينية، مندداً باستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية والقدس، وما يرافقها من قتل وحصار وتهجير واستيطان. واعتبر أن استمرار هذه الأوضاع في ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض احترام القانون الدولي يفرض الإبقاء على القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام العالمي حتى نيل الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة.
كما ندد الحزب بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، معرباً عن قلقه من التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط ومن تعثر المسارات الدبلوماسية الرامية إلى تجنب مزيد من التصعيد الإقليمي. وحذر من أن استمرار هذه الأزمات ستكون له انعكاسات مباشرة على الاستقرار العالمي وعلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مختلف دول العالم.
وفي خضم هذا السجال السياسي، كشف الحزب عن استكمال إعداد برنامجه الانتخابي الخاص بانتخابات 23 شتنبر المقبلة، مؤكداً أنه يتضمن ما وصفه ببديل ديمقراطي وتقدمي وواقعي قادر على معالجة الاختلالات التي تشهدها البلاد. كما أعلن عزمه إطلاق حملة تواصلية واسعة لتقديم مضامين هذا البرنامج للرأي العام في إطار الاستعداد المبكر للاستحقاقات المقبلة.
ويبدو من خلال لهجة البلاغ أن حزب التقدم والاشتراكية اختار الدخول مبكراً في معركة سياسية مفتوحة عنوانها مساءلة الحصيلة الحكومية وربطها مباشرة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المواطنون. ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتجه الأحزاب أكثر فأكثر نحو رفع سقف الانتقادات وتقديم نفسها كبدائل قادرة على إدارة المرحلة المقبلة، في وقت تزداد فيه رهانات المشاركة السياسية واستعادة ثقة الناخبين في المؤسسات المنتخبة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك