أنتلجنسيا:أبو آلاء
وجد حزب العدالة والتنمية نفسه في قلب عاصفة جديدة بعد تفجر نقاشات حادة بشأن الطريقة التي تم بها توزيع تزكيات مرشحي الانتخابات التشريعية لسنة 2026، في خطوة كشفت عن تصدعات داخلية وصدام مكتوم بين منطق المؤسسات ومنطق الحسابات الانتخابية الحساسة.
فبعد ماراثون طويل من الاجتماعات امتد لخمس جلسات متتالية، حسمت الأمانة العامة للحزب في الجزء الأكبر من خريطة مرشحيها، مانحة الضوء الأخضر لوكلاء ووكيلات الحزب في 91 دائرة انتخابية محلية، إضافة إلى كافة الدوائر الجهوية الاثنتي عشرة، بينما ظل مصير دائرة واحدة معلقاً في انتظار تسوية نهائية، ما فتح الباب أمام قراءات متباينة حول خلفيات التأجيل وأبعاده السياسية.
لكن ما فجّر الجدل الحقيقي لم يكن عدد الدوائر المحسوم فيها، بل الكيفية التي تم بها تمرير بعض الأسماء، بعدما أُدرجت شخصيات بشكل مفاجئ وخارج المقترحات التي رفعتها الجموع العامة الإقليمية والهيئات الجهوية، وهو ما أثار امتعاض عدد من الأصوات داخل الحزب، التي اعتبرت أن بعض القرارات أربكت الحسابات الانتخابية وأثرت على التوازنات المحلية، خاصة في مدن استراتيجية مثل الرباط وسلا، حيث كان الرهان قائماً على استعادة مواقع انتخابية وُصفت داخل التنظيم بأنها قابلة للتحقيق.
وفي محاولة لتطويق موجة الانتقادات، خرجت الأمانة العامة ببيان مطول تدافع فيه عن اختياراتها، مؤكدة أن عملية الحسم تمت وفق المسطرة التنظيمية التي صادق عليها المجلس الوطني للحزب خلال فبراير 2026، وهي الآلية التي تمنح القيادة المركزية صلاحيات واسعة في اتخاذ القرار النهائي، سواء عبر المصادقة على المقترحات القادمة من القواعد التنظيمية أو إدخال أسماء جديدة بعد النقاش والتصويت السري.
وبحسب المعطيات التي كشفها البيان، فقد توزعت قرارات هيئة التزكية بين الإبقاء على اللوائح كما اقترحتها الهياكل المحلية في 64 دائرة انتخابية، واختيار أسماء من داخل القوائم المقترحة في 21 دائرة أخرى، مقابل إدراج ستة أسماء جديدة من خارج الترشيحات الأصلية، بينهم أربعة من داخل الحزب واثنان من خارجه، في خطوة تعكس توجهاً لخلط الأوراق وإعادة رسم التوازنات الانتخابية قبل معركة الصناديق.
القيادة الحزبية بررت هذه التعديلات بوجود اختلالات قانونية فرضت تدخلاً مباشراً لتصحيح المسار، خصوصاً في ما يتعلق بضرورة احترام شروط تمثيلية الشباب أقل من 35 سنة وحضور النساء داخل اللوائح، محذّرة ضمنياً من أن أي إخلال بهذه المقتضيات قد يكلّف الحزب تبعات قانونية ومالية قد تصل إلى التأثير على الاستفادة من الدعم العمومي.
ولم تكتف الأمانة العامة بهذا التفسير، بل اعتبرت أن فتح الباب أمام أسماء غير مدرجة سلفاً يدخل ضمن استراتيجية توسيع قاعدة الحزب واستقطاب كفاءات جديدة قادرة على ضخ دماء مختلفة داخل المؤسسة التشريعية المقبلة، في ظل سعي الحزب إلى تشكيل فريق برلماني متنوع يستعيد به جزءاً من حضوره السياسي المتراجع.
ورغم محاولة الحزب تسويق العملية باعتبارها نموذجاً لـ“الديمقراطية الداخلية” والانضباط التنظيمي، إلا أن ما يجري خلف الستار يوحي بأن التزكيات لم تمر دون كلفة سياسية، وأن شرارة الخلافات التي اندلعت حول بعض الأسماء قد تتحول إلى صداع مبكر يربك استعدادات الحزب لمعركة تشريعية تبدو أكثر تعقيداً وسخونة من أي وقت مضى.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك