أنتلجنسيا:أبو جاسر
أطلقت جماعة العدل والإحسان إشارات إنذار قوية حول ما اعتبرته انحداراً خطيراً في الأوضاع العامة، معتبرة أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي لم يعد يحتمل مزيداً من التجميل أو الخطابات الرسمية التي تتحدث عن “الدولة الاجتماعية”، في وقت يرزح فيه المواطن تحت وطأة الغلاء وتآكل القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.
المجلس، في دورته الرابعة والعشرين، لم يكتفِ بالتوصيف، بل ذهب بعيداً في نقده، معتبراً أن السياسات العمومية الحالية وصلت إلى سقفها، بل وكشفت محدوديتها في مواجهة أزمات مركبة تتداخل فيها الاختلالات الاقتصادية مع هشاشة الحماية الاجتماعية. وفي قراءة أكثر حدّة، ربطت الجماعة هذا الوضع بتصاعد ما وصفته بالمقاربة الأمنية، متحدثة عن تضييق متزايد على الحريات العامة واستهداف مباشر للأصوات المعارضة، ما يعكس، حسب تقديرها، اختلالاً في توازن العلاقة بين السلطة والمجتمع.
وفي هذا السياق، رفعت الجماعة سقف مطالبها، داعية إلى إطلاق سراح من تصفهم بالمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، ووقف كل المتابعات التي ترى أنها ذات خلفيات سياسية، إلى جانب إنهاء التضييق على الفعل السياسي والمدني، معتبرة أن استمرار هذه الممارسات يقوض أي إمكانية لبناء مشهد ديمقراطي سليم.
ولم يغفل البيان الجانب الديني، حيث وجه انتقادات لاذعة لما اعتبره تدخلاً رسمياً في تدبير الحقل الديني، داعياً إلى تحرير دور العلماء والمؤسسات الدينية من أي توظيف سياسي، بما يسمح لها بالقيام بوظيفتها التربوية والتوجيهية بشكل مستقل. هذا الطرح يعكس، في العمق، صراعاً غير معلن حول من يملك الشرعية في تأطير المجال الديني داخل المجتمع.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد عبرت الجماعة عن تضامنها مع المتضررين من الكوارث الطبيعية، خصوصاً ضحايا الفيضانات، مشددة على ضرورة توفير دعم فعلي ومستعجل لهم، مع إعادة التذكير بملف ضحايا زلزال الحوز الذي لا يزال، بحسبها، مفتوحاً على معاناة إنسانية لم تجد طريقها الكامل إلى الحل.
وفي قراءة سياسية أشمل، اعتبر مجلس الشورى أن المشهد الوطني يعاني من أعطاب عميقة تتجذر في غياب إرادة حقيقية للإصلاح واستمرار مظاهر الفساد، محذراً من أن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة قد تتحول إلى مجرد إعادة تدوير لنفس البنية المختلة، بدل أن تكون فرصة لإحداث تحول حقيقي.
هذا الموقف، بحدّته ووضوحه، يعكس تصعيداً في خطاب الجماعة، ويضع السلطات أمام تحدي مزدوج: إقناع الشارع بجدوى الإصلاحات المعلنة، واحتواء خطاب معارض يتجه أكثر فأكثر نحو التشكيك في جدوى المسار برمته. وفي ظل هذا التوتر، يبدو أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التجاذب، حيث لم تعد لغة النقد خجولة، بل تحولت إلى اتهام مباشر يضع بنية النظام السياسي والاجتماعي تحت مجهر المساءلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك