أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في اجتماع مشحون بالرسائل السياسية الواضحة، عقدت الأمانة العامة لـ حزب العدالة والتنمية دورتها العادية برئاسة أمينها العام عبد الإله ابن كيران، واضعةً على الطاولة جملة من الملفات الوطنية والدولية، في لحظة يعتبرها الحزب مفصلية سياسياً واجتماعياً. اللقاء، الذي تزامن مع أجواء شهر رمضان، لم يكن مجرد محطة تنظيمية داخلية، بل تحول إلى منصة لإعادة تموقع سياسي حاد تجاه الحكومة وعدد من القضايا الحساسة.
ابن كيران استهل الاجتماع بتذكير ذي حمولة دينية واجتماعية، مستحضراً دلالات الشهر الفضيل وما يفرضه من تضامن في ظل تداعيات الفيضانات الأخيرة، إلى جانب ما يجري في فلسطين. غير أن البعد الروحي سرعان ما انتقل إلى خطاب سياسي مباشر، أعاد فيه الحزب التأكيد على تموقعه خلف المؤسسة الملكية في ما يتعلق بقضية الصحراء، مشدداً على مواصلة التعبئة الوطنية إلى حين إنهاء النزاع في إطار السيادة المغربية، ومثمناً الحضور الدبلوماسي المتصاعد للمغرب داخل القارة الإفريقية، خاصة بعد انتخابه في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي.
في الشق الداخلي، بدا أن الحزب اختار توجيه انتقادات واضحة لأداء الحكومة، خصوصاً في ما يتعلق ببرنامج الدعم الاجتماعي المباشر. فالأمانة العامة عبّرت عن استغرابها مما وصفته بتجاهل رئيس الحكومة للإشكالات المرتبطة بالإقصاء ومعايير الاستفادة، معتبرة أن الاكتفاء بلغة الإشادة الرسمية لا يعكس حجم التظلمات المطروحة. القراءة السياسية لهذا الموقف تكشف سعي الحزب إلى استثمار ورش اجتماعي استراتيجي لإبراز اختلالات التدبير الحكومي وتقديم نفسه كمدافع عن العدالة الاجتماعية.
وفي ملف الإعلام، صعّد الحزب لهجته منتقداً ما اعتبره ارتباكاً في تدبير إصلاح القطاع، على خلفية المصادقة على مشروع قانون يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وسحب مشروع مرسوم بقانون مرتبط بلجنة مؤقتة لتسيير القطاع. الأمانة العامة رأت في هذا المسار دليلاً على غياب الانسجام الحكومي ومحاولة التحكم في مجال تعتبره ركيزة أساسية لحرية التعبير.
على صعيد آخر، نوه الحزب بمبادرات مجلس المنافسة، معتبراً إياه صمام أمان ضد الاحتكار واستغلال النفوذ، في إشارة ضمنية إلى ضرورة تفعيل مؤسسات الحكامة لمواجهة تضارب المصالح وهيمنة بعض الفاعلين الاقتصاديين. كما ثمن استكمال ورش إصلاح الأراضي الجماعية لفائدة الجماعات السلالية، باعتباره خطوة نحو تبسيط المساطر وتحقيق العدالة العقارية.
خارجياً، خصص الاجتماع حيزاً واسعاً للتطورات في فلسطين، حيث جدد الحزب تضامنه مع الشعب الفلسطيني، منتقداً بشدة السياسات الإسرائيلية، ومعبراً عن استيائه من تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل بشأن الضفة الغربية. الخطاب هنا اتسم بنبرة تصعيدية، داعياً الدول العربية إلى تجاوز بيانات التنديد نحو مواقف أكثر حزماً.
أما بخصوص الفيضانات الأخيرة، فقد أشاد الحزب بجهود الدولة ومختلف أجهزتها، مثمناً البرنامج الحكومي لدعم المتضررين، مع دعوة إلى توسيع لائحة الأقاليم المستفيدة لضمان الإنصاف المجالي.
سياسياً، يعكس هذا الاجتماع محاولة واضحة لإعادة ضخ الزخم في جسد الحزب، خاصة بعد انعقاد دورته العادية للمجلس الوطني، التي اعتبرتها القيادة مؤشراً على دينامية تنظيمية متجددة. خطاب التعبئة الذي اختتم به الاجتماع، والدعوة إلى الصمود في وجه ما وصفه الحزب بالهجمات الإعلامية، يؤشران على دخول مبكر في أجواء الاستحقاقات المقبلة، مع سعي إلى استعادة موقع فاعل في المشهد السياسي.
في المحصلة، يظهر أن العدالة والتنمية اختار رفع منسوب الخطاب النقدي دون القطيعة مع الثوابت الوطنية، جامعاً بين دعم الملفات السيادية والتصعيد تجاه الأداء الحكومي. إنها عودة إلى أسلوب المواجهة السياسية المباشرة، في سياق وطني وإقليمي مفتوح على تحولات عميقة قد تعيد رسم ملامح التوازنات في المرحلة المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك