أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
خرج "الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب"، الذراع النقابي لحزب "العدالة والتنمية" المعارض، وفي محطة تنظيمية مشحونة بالرسائل السياسية والاجتماعية (خرج) بخطاب ناري يعكس حجم الاحتقان الذي يعيشه العالم الاجتماعي بالمملكة، بعدما عقد دورته التنظيمية السنوية في أجواء اتسمت بالتعبئة والوضوح، واضعاً نفسه في قلب معركة مفتوحة مع السياسات الحكومية التي يعتبرها مسؤولة عن تعميق الأزمة المعيشية وضرب المكتسبات النقابية.
الدورة التي اختار لها الاتحاد اسماً رمزياً تخليداً لأحد أعمدة النضال النقابي في قطاع التعليم، تحولت إلى منصة لإعادة التأكيد على الهوية النضالية للتنظيم، حيث شدد الأمين العام محمد الزويتن على أن استحضار رموز الحركة النقابية ليس فعلاً بروتوكولياً، بل موقف سياسي يراد به استلهام قيم الصمود والدفاع المستميت عن حقوق الشغيلة في مرحلة يطبعها التراجع الاجتماعي والتضييق على العمل النقابي.
وفي سياق سياسي أوسع، ربط الزويتن الفعل النقابي بالثوابت الوطنية، مؤكداً أن الدفاع عن حقوق الأجراء لا ينفصل عن الإجماع الوطني حول الوحدة الترابية، ومثمناً المكاسب الدبلوماسية التي راكمها المغرب خلال السنة الماضية، والتي عززت الطرح المغربي للحكم الذاتي كحل نهائي للنزاع المفتعل. غير أن هذا التأكيد الوطني لم يحجب حدة الانتقادات الموجهة للحكومة، حيث اعتبر الأمين العام أن البلاد تعيش تدهوراً معيشياً بنيوياً، يتجلى في الغلاء المستمر وتآكل القدرة الشرائية، وفي الفشل الواضح في معالجة تداعيات زلزال الحوز، إضافة إلى اختلالات دعم القطاع الفلاحي التي انعكست مباشرة على أسعار المواد الأساسية.
وبلغة غير مسبوقة، وجه الاتحاد اتهامات مباشرة للحكومة بحماية شبكات المصالح واللوبيات الاقتصادية، خصوصاً في قطاع الأدوية والمستلزمات الطبية، معتبراً أن ارتفاع أسعار العلاج بلغ مستويات غير مبررة، في انتهاك صريح لحق المواطنين في الصحة، وتكريس لمنطق الربح على حساب الكرامة الإنسانية. كما سجل ما وصفه باستهداف ممنهج للفعل النقابي، من خلال الإقصاء من الحوار الاجتماعي المركزي، وسن تشريعات مقيدة للحق في الإضراب، وتنامي المتابعات التأديبية والنقل التعسفي في حق المناضلين، إلى جانب تمرير إصلاحات اعتبرها ضربة مباشرة لمكتسبات الموظفين، وفي مقدمتها مشروع دمج أنظمة التغطية الصحية.
وفي تشخيصه للمشهد الاجتماعي، ربط الزويتن بين انسداد الأفق السياسي والاجتماعي وبين موجة الاحتجاجات التي قادها جيل الشباب خلال السنة الماضية، معتبراً أنها تعبير صريح عن الإحباط الجماعي من تردي التعليم والصحة وغياب فرص الشغل، ومتهماً الحكومة بتغليب المقاربة الأمنية بدل البحث عن حلول ديمقراطية وحضارية، وهو ما اعتبره دليلاً على إفلاس السياسات العمومية.
وعلى المستوى الديمقراطي، توقف الاتحاد عند قرار المحكمة الدستورية المتعلق بقوانين الصحافة والنشر، معتبراً أنه أعاد الاعتبار لمبدأ التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، وصحح مساراً تشريعياً كان يميل نحو التعيين بدل الانتداب، في انسجام مع روح الدستور ومقتضياته الضامنة لحرية التعبير.
اقتصادياً، رسمت الأرقام التي قدمها الأمين العام صورة قاتمة عن الوضع العام، إذ كشف عن إفلاس عشرات الآلاف من المقاولات خلال سنة واحدة، أغلبها مقاولات صغيرة جداً تشكل العمود الفقري للتشغيل، محذراً من تهديد واسع لمناصب الشغل. كما أشار إلى تدهور مستوى معيشة غالبية الأسر، واستمرار موجة الغلاء، وارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، إلى جانب تسارع هجرة الكفاءات في قطاعات حيوية، ما ينذر باستنزاف خطير للرأسمال البشري الوطني.
وفي مقابل هذا التشخيص القاتم، حمّل الاتحاد الحكومة المسؤولية الكاملة عن الاحتقان الاجتماعي، داعياً إلى تبني سياسات تنموية أكثر عدالة، ووقف نزيف البطالة، وإقرار آليات جبائية استثنائية تمس الثروات الكبرى وأرباح شركات المحروقات، مع اعتماد تسقيف مرحلي للأسعار لحماية السلم الاجتماعي. كما انتقد إقصاء المتقاعدين من الزيادات العامة في الأجور ضمن مشروع قانون مالية 2026، معتبراً ذلك استمراراً في تجاهل فئة قدمت سنوات عمرها لخدمة الدولة.
وختم الزويتن كلمته بإعلان الانتقال إلى مرحلة التصعيد النضالي والإعلامي، رداً على ما وصفه بتجاهل الحكومة للمطالب المشروعة للطبقة العاملة، مؤكداً أن الاتحاد لن يقف مكتوف الأيدي أمام ما يعتبره مساراً ممنهجاً للإجهاز على الحقوق الاجتماعية.
وفي بعده الإنساني والدولي، جدد الاتحاد ربطه بين النضال الاجتماعي ونصرة القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مندداً بما يجري في غزة من حرب إبادة، وبالصمت الدولي الذي اعتبره تواطؤاً مكشوفاً، ومؤكداً استمرار انخراط مناضليه في مختلف الأشكال الاحتجاجية الداعمة للشعب الفلسطيني.
بهذا الخطاب، يكون الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب قد رسم ملامح مرحلة قادمة عنوانها المواجهة المفتوحة، واضعاً الحكومة أمام اختبار اجتماعي وسياسي حاسم، في سياق يتسم بتصاعد الغضب واتساع الهوة بين الخطاب الرسمي وواقع الشغيلة المغربية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك