أنتلجنسيا المغرب:أبو دعاء
عاد ملف الصفقات العمومية إلى واجهة النقاش الاقتصادي في
المغرب، بعد بروز جدل واسع حول اللجوء إلى آلية القرعة في حسم بعض العمليات
المرتبطة بإسناد الصفقات، في خطوة أثارت تساؤلات بين المهنيين والفاعلين
الاقتصاديين حول مدى قدرتها على ضمان المنافسة العادلة وتكافؤ الفرص بين مختلف
المتنافسين، خصوصاً في ظل المطالب المتزايدة بتعزيز الشفافية وربط تدبير المال
العام بمعايير واضحة تضمن النزاهة والفعالية في اختيار الشركات والمقاولات
المستفيدة.
ويأتي هذا النقاش في وقت أصبحت فيه الصفقات العمومية تمثل أحد
أهم المحركات الاقتصادية داخل المغرب، بالنظر إلى حجم الاستثمارات والمشاريع التي
تنجزها الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، حيث تستفيد منها آلاف
الشركات والمقاولات في قطاعات مختلفة تشمل البناء والأشغال العمومية والنقل
والتجهيز والخدمات، وهو ما يجعل طريقة تدبير هذه الصفقات ذات تأثير مباشر على
دينامية الاقتصاد الوطني وعلى قدرة المقاولات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، على
الوصول إلى فرص العمل والاستثمار المرتبطة بالمشاريع العمومية.
ويرى عدد من المتابعين أن اعتماد القرعة في بعض الحالات يمكن أن
يشكل وسيلة للخروج من وضعيات تتساوى فيها عروض المتنافسين أو تتقارب فيها النتائج
بشكل كبير، غير أن الإشكال الأساسي يرتبط بالضمانات المصاحبة لهذه الآلية ومدى
وضوح شروط اللجوء إليها، إذ تظل الحاجة قائمة إلى تحديد الحالات التي يمكن فيها
اعتماد القرعة بدقة، مع ضمان حضور ممثلي المتنافسين واحترام قواعد التوثيق
والمراقبة، حتى لا تتحول العملية إلى مصدر جديد للشكوك أو التأويلات بشأن طريقة
اتخاذ القرار.
وتتزايد أهمية هذا الملف في ظل التحديات التي تواجهها المقاولات
المغربية، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على الطلبيات العمومية لضمان استمرار
نشاطها والحفاظ على مناصب الشغل، حيث يمكن لأي تغيير في قواعد المنافسة أو طرق
إسناد الصفقات أن يؤثر بشكل مباشر على فرصها في السوق، كما أن المقاولات الصغرى
والمتوسطة تطالب باستمرار بتسهيل الولوج إلى الصفقات وتقليص التعقيدات الإدارية
وتعزيز تكافؤ الفرص أمام جميع المتنافسين، بدل تركيز حصة كبيرة من المشاريع لدى
عدد محدود من الشركات الكبرى.
ويطرح الجدل أيضاً مسألة تحقيق التوازن بين سرعة إنجاز المشاريع
العمومية وبين ضمان أعلى مستويات الشفافية والمنافسة، فالدولة مطالبة من جهة
بتسريع تنفيذ المشاريع والاستثمارات التي تحتاجها مختلف المناطق، لكنها مطالبة من
جهة أخرى بالتأكد من أن عمليات اختيار الشركات تتم وفق قواعد دقيقة وقابلة
للمراقبة، خصوصاً أن الأموال المرصودة لهذه المشاريع مصدرها الميزانية العمومية،
ما يجعل حسن تدبيرها مسؤولية اقتصادية ومؤسساتية تتطلب أعلى درجات الوضوح والرقابة.
ومن شأن تعزيز الرقمنة وتطوير أنظمة التتبع والمراقبة
الإلكترونية أن يساهم في الحد من الإشكالات المرتبطة بالصفقات العمومية، عبر توثيق
مختلف مراحل العملية منذ الإعلان عن الصفقة إلى غاية اختيار العرض الفائز وتنفيذ
المشروع، كما يمكن للرقمنة أن تساعد على توفير معطيات أكثر وضوحاً حول عدد
المتنافسين وقيمة العروض ومعايير الاختيار، وهو ما يمنح المقاولات إمكانية أكبر
لفهم قواعد المنافسة ويعزز الثقة في المنظومة بشكل عام.
ويأتي هذا الجدل في سياق
اقتصادي يراهن فيه المغرب على تسريع الاستثمار العمومي وتنفيذ مشاريع كبرى في
مجالات البنية التحتية والطاقة والماء والنقل والتجهيز، ما يعني أن حجم الصفقات
المنتظرة سيظل مرتفعاً خلال السنوات المقبلة، وبالتالي فإن ضمان الشفافية وتكافؤ
الفرص في إسنادها سيكون عاملاً أساسياً ليس فقط لحماية المال العام، وإنما أيضاً
لدعم المقاولات الوطنية وتحقيق أكبر مردودية اقتصادية واجتماعية من الاستثمارات
العمومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك