أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا
حذّرت منظمة الأمم المتحدة
للطفولة «يونيسف» من الوضع الإنساني والقانوني الصعب الذي يعيشه آلاف الأطفال
والمراهقين المغاربة، وبينهم مئات الفتيات غير المصحوبات، في مدينة سبتة، مؤكدة أن
التعامل مع هذه الفئة يجب أن يتم وفق الضمانات التي تفرضها القوانين الإسبانية
والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية الطفولة.
وأكدت يونيسف إسبانيا أن أي
طفل أو طفلة غير مصحوب لا ينبغي أن تتم إعادته أو نقله بصورة جماعية أو آلية، بل
يتعين أولاً إجراء تقييم فردي ودقيق لوضعيته، والاستماع إليه، وتحديد احتياجاته،
والتأكد من أن أي قرار يتخذ بشأن مستقبله يراعي بالدرجة الأولى «مصلحته الفضلى».
كما دعت المنظمة السلطات
الإسبانية إلى دراسة إمكانية لمّ شمل الأطفال بأسرهم عندما تتوفر الشروط والضمانات
اللازمة، مع التأكيد على أن عمليات الإعادة لا يمكن أن تتم إلا بعد التأكد من أن
الطفل سيجد لدى وصوله بيئة آمنة تضمن حمايته وحقوقه الأساسية.
وقال المدير التنفيذي ليونيسف
إسبانيا، خوسيه ماريا فيرا، إن حماية هؤلاء الأطفال لا تقتصر على كونها التزاماً
قانونياً، بل تمثل مسؤولية إنسانية، مشيراً إلى أن الأرقام المتداولة تخفي وراءها
أطفالاً ومراهقين يعيشون أوضاعاً شديدة الهشاشة، بعضهم وحيد وخائف ولا يعرف إلى
أين ستقوده المرحلة المقبلة.
وفي ظل مطالبة المغرب إسبانيا
بإعادة القاصرين الموجودين في سبتة، شددت يونيسف على أن معالجة الملف لا ينبغي أن
تقوم على قاعدة موحدة تشمل الجميع، وإنما على دراسة حالة كل طفل على حدة، مع
مراعاة ظروفه الأسرية والإنسانية وحمايته من مخاطر العنف والاستغلال والاتجار
بالبشر.
وتطالب المنظمة بأن ترافق أي
عملية إعادة ضمانات أساسية، من بينها حق الطفل في الحصول على المعلومات، وحقه في
التعبير عن رأيه والاستماع إليه، والاستفادة من المساعدة القانونية، والطعن في
القرارات التي تمس مستقبله، إلى جانب ضمان استقباله في ظروف آمنة تحترم حقوقه.
كما دعت يونيسف إلى تحمل
مختلف المؤسسات الإسبانية لمسؤولياتها في هذا الملف، معتبرة أن مدينة سبتة لا يمكن
أن تتحمل بمفردها تدبير وضع بهذا الحجم والتعقيد، وأن حماية الأطفال مسؤولية
مشتركة بين المؤسسات المحلية والوطنية.
وتضع المنظمة أيضاً مسألة
تحديد هوية الأطفال غير المصحوبين وتسجيلهم وإدماجهم في منظومة الحماية ضمن
الأولويات العاجلة، خصوصاً أن بقاء عدد منهم خارج هذه الآليات يجعلهم أكثر عرضة
للاستغلال والعنف والاتجار بالبشر.
وتثير أوضاع الفتيات غير
المصحوبات قلقاً خاصاً لدى يونيسف، إذ تشير إلى وجود مئات الفتيات في ظروف بالغة
الهشاشة. وترى المنظمة أن الإسراع في التعرف إليهن وتسجيلهن وإدخالهن إلى منظومة
الحماية أمر ضروري، لأن عدم تحديد هويتهن وإدراجهن في النظام الرسمي يجعلهن عملياً
«غير مرئيات» بالنسبة لآليات الحماية، ويزيد من المخاطر التي قد يتعرضن لها.
الهجرة
المغربية.. من أزمة إنسانية إلى واقع ديموغرافي داخل إسبانيا
وبعيداً عن البعد الإنساني
والقانوني المباشر لأزمة القاصرين في سبتة، تكشف هذه التطورات عن تحول أوسع يرتبط
بالحضور الديموغرافي المغربي في إسبانيا.
فإسبانيا أصبحت تستفيد، بصورة
متزايدة، من تدفقات بشرية مغربية تضم آلاف الشباب في سن العمل، وهي فئة تمثل قوة
بشرية قادرة على الاندماج في سوق الشغل الإسباني، وبناء أسر جديدة والاستقرار داخل
المجتمع، خصوصاً عندما تتوفر لها القنوات القانونية وفرص العمل والإقامة.
وفي المقابل، يواجه المغرب
تحدياً ديموغرافياً يتمثل في فقدان جزء من شبابه، أي الفئة الأكثر قدرة على العمل
وتكوين الأسر والمساهمة في تجديد البنية السكانية. وبالتالي، فإن استمرار انتقال
آلاف الشباب المغاربة إلى أوروبا، وإسبانيا تحديداً، لا يمثل مجرد قضية هجرة، بل يحمل
آثاراً بعيدة المدى على التوازن الديموغرافي والاجتماعي في البلدين.
وتستفيد إسبانيا من هذا
الرصيد البشري الشاب في وقت تواجه فيه تحديات مرتبطة بالشيخوخة السكانية والحاجة
إلى اليد العاملة في عدد من القطاعات، بينما يفقد المغرب جزءاً من طاقته البشرية
الشابة التي كان يمكن أن تساهم في الاقتصاد الوطني وفي تكوين أسر جديدة داخل
البلاد.
ومن هذه الزاوية، فإن ملف
القاصرين في سبتة لا ينبغي عزله عن النقاش الأوسع حول الهجرة المغربية إلى
إسبانيا؛ فالأطفال والمراهقون الذين يوجدون اليوم في وضعية غير نظامية قد يصبحون،
في حال تمت حمايتهم وإدماجهم وفق القانون، جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي
الإسباني، شأنهم في ذلك شأن أجيال من المغاربة الذين سبقوهم إلى إسبانيا.
ويبقى التحدي الأساسي أمام
السلطات، وفق المقاربة التي تطرحها يونيسف، هو التوفيق بين حق الدول في تنظيم
الهجرة وحماية حدودها، وبين الالتزامات القانونية والإنسانية تجاه الأطفال، مع
ضمان ألا تتحول هشاشتهم إلى مبرر لاتخاذ قرارات جماعية تتجاهل ظروفهم الفردية
ومصلحتهم الفضلى.
و تؤكد يونيسف أن كل طفل في سبتة ليس مجرد رقم
في أزمة هجرة، وإنما شخص له حقوق وقصة ومستقبل، وأن حماية تلك الحقوق ينبغي أن
تكون الأساس في أي قرار يتعلق بمصيره، بغض النظر عن أصله أو جنسيته أو ظروف وصوله
إلى الأراضي الإسبانية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك