أنتلجنسيا المغرب:أبو دعاء
تتحدث
التصريحات الحكومية والتقارير الرسمية عن تحسن عدد من المؤشرات الاجتماعية في
المغرب، خصوصاً في مجالي التعليم والصحة، وتعرض أرقاماً عن ارتفاع نسب التمدرس
وتوسيع التغطية الصحية وزيادة الاستثمارات العمومية، لكن هذه الصورة الإيجابية على
الورق لا تعكس بالضرورة التجربة اليومية للمواطن، فالأسر لا تقيس نجاح التعليم
بعدد المسجلين في المدارس فقط، ولا تقيس نجاح الصحة بحجم الميزانية المرصودة
للقطاع، وإنما بما تجده فعلياً عندما يحتاج أبناؤها إلى تعليم جيد أو عندما يضطر
أحد أفراد الأسرة إلى زيارة المستشفى، وهنا تظهر فجوة واضحة بين لغة الأرقام
الرسمية وبين الواقع الذي يعيشه جزء كبير من المغاربة
في قطاع
التعليم، قد تكون نسب التمدرس قد تحسنت بالفعل، لكن السؤال الأهم يبقى متعلقاً
بجودة التعليم والنتائج التي يحصل عليها التلميذ بعد سنوات من الدراسة، فالاكتظاظ
ونقص بعض الأطر والفوارق بين المؤسسات والمناطق لا تزال تؤثر على تجربة العديد من
الأسر، كما أن الحصول على مقعد في المدرسة لا يعني بالضرورة الحصول على تعليم
بالمستوى المطلوب، ولذلك فإن الحديث عن نجاح الإصلاحات يحتاج إلى النظر أيضاً إلى
مستوى القراءة والكتابة والحساب واللغات والمهارات التي يكتسبها التلميذ، لأن
المواطن في النهاية لا يعيش داخل جدول إحصائي، وإنما يعيش تجربة يومية مع المدرسة
والأستاذ والإدارة والامتحانات وفرص أبنائه في المستقبل
وفي قطاع
الصحة تبدو الفجوة أكثر وضوحاً بالنسبة إلى المواطن الذي يضطر إلى البحث عن موعد
أو طبيب أو علاج داخل المستشفى العمومي، فزيادة الميزانية وإنشاء وتجهيز مؤسسات
صحية جديدة خطوات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها إذا ظل المريض يعاني من طول الانتظار
أو نقص بعض الأطر أو صعوبة الحصول على موعد في الوقت المناسب، كما أن الفوارق بين
المدن والمناطق القروية تجعل تجربة المواطن مختلفة بشكل كبير من منطقة إلى أخرى،
ولذلك فإن نجاح الإصلاح الصحي لا يجب أن يقاس فقط بما تم إنفاقه أو بعدد المشاريع
التي تم الإعلان عنها، بل بما يشعر به المريض فعلياً عندما يدخل المستشفى ويحتاج
إلى التشخيص والعلاج والمتابعة
في النهاية،
المشكلة ليست في الأرقام ولا في وجود تحسن في بعض المؤشرات، وإنما في تقديم هذه
الأرقام أحياناً وكأنها تعكس الصورة الكاملة للمجتمع المغربي، بينما الواقع أكثر
تعقيداً ويكشف عن مشاكل لا يمكن إخفاؤها بالتصريحات أو التقارير، فالمواطن يريد
مدرسة عمومية ذات جودة ومستشفى يحترم وقته وكرامته وخدمات اجتماعية تصل إليه دون
تعقيدات، ويريد أن يرى أثر الاستثمارات والإصلاحات في حياته اليومية وليس فقط في
البيانات الرسمية، ولذلك فإن الاختبار الحقيقي أمام الحكومة ليس قدرتها على نشر
أرقام إيجابية، وإنما قدرتها على تحويل تلك الأرقام إلى واقع ملموس يشعر به
المواطن في المدرسة والمستشفى والشارع والبيت، لأن المسافة بين ما يقال وما يعيشه
الناس هي التي تحدد في النهاية مدى نجاح أي إصلاح اجتماعي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك