أنتلجنسيا:أبو جاسر
في مشهد يعكس تحولا خطيرا في دينامية الهجرة نحو أوروبا، تحولت مدينة سبتة إلى بؤرة ساخنة غير مسبوقة منذ بداية سنة 2026، بعدما سجلت تدفقات قياسية للمهاجرين غير النظاميين القادمين عبر الحدود مع المغرب، وفق معطيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية الإسبانية.
الأرقام تكشف واقعاً صادماً: أكثر من 1600 مهاجر تمكنوا من دخول المدينة خلال أقل من ثلاثة أشهر، من بينهم 347 شخصاً فقط خلال النصف الأول من مارس، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة العبور بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة. هذه القفزة لا تعكس مجرد ضغط ظرفي، بل تشير إلى تحول هيكلي في مسارات الهجرة، حيث باتت سبتة الوجهة الأكثر اختراقاً رغم التحصينات الأمنية المشددة.
المقارنة مع السنة الماضية تفضح حجم الانفجار، إذ لم يتجاوز عدد الوافدين خلال الفترة نفسها من 2025 سوى بضع مئات، ما يعني تسجيل ارتفاع يتجاوز خمسة أضعاف في ظرف زمني وجيز، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية المقاربة الأمنية التي تعتمدها مدريد في إدارة هذا الملف المعقد.
الأكثر دلالة أن سبتة تجاوزت حتى النقاط التقليدية الأكثر استقبالاً للمهاجرين، مثل جزر الكناري، التي سجلت أرقاماً أقل خلال الفترة نفسها، بينما شهدت جزر البليار بدورها ارتفاعاً ملحوظاً، ما يعكس اتساع رقعة الضغط على مختلف الواجهات البحرية والبرية لإسبانيا.
في المقابل، تبدو الصورة مختلفة تماماً في مليلية، التي سجلت أعداداً محدودة جداً، وهو تباين حاد يثير تساؤلات حول اختلاف طرق العبور، وشبكات التهريب، وفعالية الإجراءات الأمنية بين المدينتين رغم تشابههما الجغرافي والسياسي.
المهاجرون يعتمدون أساليب متزايدة الخطورة، من تسلق السياج الحدودي إلى الالتفاف عبر المسالك البحرية أو حتى السباحة في ظروف قاسية، في مشاهد تعكس حجم اليأس الذي يدفعهم للمخاطرة بحياتهم. كما تشير المعطيات إلى تزايد ملحوظ في أعداد القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، ما يعزز فرضية تحول سبتة إلى نقطة جذب رئيسية ضمن طرق الهجرة الجديدة.
ورغم قيام السلطات الإسبانية بنقل جزء من الوافدين نحو الداخل الإسباني، فإن ذلك لا يخفف من الضغط الفوري على المدينة، التي تجد نفسها أمام تدفقات مفاجئة قد تتجاوز أحياناً مائة شخص في يوم واحد، ما يضع بنيتها التحتية وخدماتها تحت ضغط متواصل.
غير أن الأرقام الرسمية، رغم ضخامتها، لا تعكس الصورة الكاملة، إذ تستثني محاولات العبور الفاشلة وعمليات الإرجاع الفوري التي تتم بشكل متكرر على السياج الحدودي، ما يعني أن الحجم الحقيقي للضغط قد يكون أكبر بكثير مما هو معلن.
في المحصلة، ما تعيشه سبتة اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل إنذار صريح بفشل سياسات الردع التقليدية أمام واقع هجرة أكثر تنظيماً وجرأة، ما يضع إسبانيا وأوروبا أمام اختبار حقيقي لإعادة التفكير في مقاربتها الأمنية والإنسانية لهذا الملف المتفجر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك