أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
بعد صمت اضطراري دام أشهراً، أعلنت التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز عودتها إلى الواجهة الاحتجاجية، في خطوة تعكس حجم الغضب المتراكم واليأس المتفاقم لدى مئات الأسر التي ما تزال تؤدي ثمن كارثة طبيعية مرّ عليها أكثر من عامين دون إنصاف حقيقي.
التنسيقية قررت تنظيم وقفة وطنية جديدة أمام مبنى البرلمان بالعاصمة الرباط، يوم الاثنين 9 فبراير المقبل، في رسالة مباشرة إلى الدولة ومؤسساتها مفادها أن معاناة المتضررين لم تُطوَ، وأن الجرح ما يزال مفتوحاً.
البلاغ الصادر عن التنسيقية حمل لغة احتجاجية واضحة، محمّلاً الجهات المعنية مسؤولية استمرار الإقصاء والحرمان الذي يطال عدداً كبيراً من الأسر المتضررة، رغم فقدانها الكامل لمساكنها وتدهور أوضاعها الاجتماعية والإنسانية. فبعد أزيد من سنتين وأربعة أشهر على الزلزال، ما تزال عائلات بأكملها تعيش تحت وطأة البرد القارس والحرارة المفرطة، في خيام أو مساكن هشة، وسط غياب حلول جذرية تعيد لها الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار.
عودة الاحتجاج، بحسب التنسيقية، ليست قراراً عفوياً ولا خطوة معزولة، بل تأتي امتداداً لمسار نضالي طويل خاضه الضحايا طيلة عامين، في مواجهة ما تصفه بسياسة التجاهل واللامبالاة. سياسة، ترى التنسيقية، أنها حوّلت الوعود الحكومية إلى شعارات فارغة، وأفرغت برامج الدعم والتعويض من مضمونها، عبر إقصاء فئات واسعة من المستفيدين دون مبررات واضحة أو معايير شفافة.
وتكشف هذه الخطوة الاحتجاجية عن مفارقة صادمة: فبينما تُقدَّم الأرقام الرسمية عن “تقدم” عمليات إعادة الإعمار والدعم، يصرّ الضحايا على أن الواقع الميداني يكذب هذه الرواية، ويؤكد وجود فجوة عميقة بين الخطاب المؤسساتي والحقيقة اليومية التي يعيشونها. فجوة غذّت الإحساس بالحيف، ورسّخت قناعة لدى المتضررين بأن ملف زلزال الحوز جرى تدبيره بمنطق انتقائي، لا يراعي حجم الخسائر ولا العدالة الاجتماعية.
التنسيقية أوضحت أن قرار استئناف الاحتجاج جاء أيضاً بعد تعليق سابق للنضال، اتخذته “حرصاً على صورة البلاد والمصلحة العليا”، تزامناً مع تنظيم تظاهرات كبرى من قبيل كأس أمم إفريقيا. غير أن هذا “التحلي بالمسؤولية”، وفق تعبيرها، لم يُقابل بأي تجاوب فعلي من طرف السلطات، بل قوبل بمزيد من التسويف، ما جعل العودة إلى الشارع خياراً اضطرارياً لا مفر منه.
وفي هذا السياق، وجهت التنسيقية دعوة مفتوحة إلى المتضررين، والهيئات الحقوقية، والفعاليات المدنية، والمنابر الإعلامية، وكافة المواطنين المتضامنين، من أجل الحضور المكثف والمشاركة الواسعة في هذه الوقفة، باعتبارها محطة نضالية تروم إعادة الاعتبار لقضية إنسانية عادلة، تتجاوز بعدها المحلي إلى اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بشعارات الإنصاف وجبر الضرر.
احتجاج 9 فبراير لا يبدو مجرد وقفة عابرة، بل مؤشراً جديداً على فشل تدبير مرحلة ما بعد الكارثة، وعلى عجز السياسات العمومية عن التحول من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الحلول المستدامة. فحين يضطر ضحايا زلزال، بعد أكثر من سنتين، إلى طرق أبواب البرلمان والشارع معاً، فإن ذلك لا يعكس فقط معاناة اجتماعية، بل يكشف أيضاً عن أزمة ثقة عميقة بين المواطنين ومؤسسات يفترض أنها وُجدت لحمايتهم في لحظات الشدة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك