أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
كشف تقرير مؤشر المعرفة العالمي 2025 عن صورة مقلقة لأداء المغرب في مجال إنتاج المعرفة وتطويرها، بعدما احتل المرتبة 89 عالمياً من أصل 195 دولة شملها التصنيف، محققاً مجموع نقاط لم يتجاوز 35.9، وهو ترتيب يعكس استمرار الفجوة بين الخطابات الرسمية حول الإصلاح والتحديث وبين واقع المنظومة التعليمية والاقتصادية المرتبطة بالمعرفة.
وجاءت هذه النتائج ضمن النسخة التاسعة من التقرير الذي تصدره مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبر مكتبه الإقليمي للدول العربية، وهو تقرير دولي يقيس قدرة الدول على إنتاج المعرفة ونشرها واستثمارها من خلال ستة محاور رئيسية تشمل التعليم والبحث العلمي والاقتصاد والتكنولوجيا والبيئة المؤسسية.
وعلى المستوى العربي، احتل المغرب المرتبة الحادية عشرة من بين اثنتين وعشرين دولة، فيما جاء في المرتبة العاشرة ضمن مجموعة الدول الخمسين المصنفة ضمن فئة الدخل المتوسط الأدنى، وهو ما يضع المملكة في موقع متوسط إقليمياً لكنه بعيد عن تحقيق طموح التحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة.
وتكشف تفاصيل المؤشر عن تفاوت واضح بين القطاعات، إذ سجل المغرب أفضل نتائجه في محور البيئة والمجتمع والحوكمة بحلوله في المرتبة السبعين عالمياً برصيد 52.3 نقطة، وهو المجال الذي أظهر فيه أداءً لافتاً في مؤشرات فعالية الحكومة وجودة التنظيم، إضافة إلى حضوره النشط في دعم التعددية الدولية داخل منظومة الأمم المتحدة.
كما حقق المغرب ترتيباً متوسطاً في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث جاء في المرتبة الثالثة والثمانين عالمياً، ما يعكس تقدماً نسبياً في البنية الرقمية واستخدام التكنولوجيا، خاصة في ما يتعلق بالمساواة الرقمية بين الجنسين في استخدام الإنترنت.
لكن الصورة تتغير بشكل واضح عندما يتعلق الأمر بالبحث العلمي والابتكار، إذ حل المغرب في المرتبة السادسة والثمانين عالمياً برصيد لا يتجاوز 16 نقطة، وهو مؤشر يكشف محدودية الاستثمارات في البحث والتطوير وضعف الإنفاق العلمي مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني.
ورغم تسجيل المغرب ترتيباً متقدماً نسبياً في عدد طلبات النماذج الصناعية، حيث احتل المرتبة الرابعة عشرة عالمياً، فإن هذا التقدم يقابله ضعف واضح في تمويل البحث العلمي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى تراجع جودة مؤسسات البحث التي جاءت في المرتبة 115 عالمياً.
أما في الجانب الاقتصادي المرتبط بتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة، فقد احتل المغرب المرتبة المائة عالمياً، وهو ترتيب يعكس تحديات هيكلية في الإنتاجية القطاعية وكفاءة استغلال الطاقة في الاقتصاد الوطني.
وفي ما يتعلق بمنظومة التعليم، يبرز التقرير اختلالات حادة، حيث احتل المغرب المرتبة 117 عالمياً في التعليم التقني والتدريب المهني والتعليم العالي، رغم تسجيله ترتيباً متقدماً في الالتحاق بالتكوين المهني.
غير أن أكبر مفارقة يكشفها المؤشر تتمثل في البطالة المرتفعة بين خريجي التعليم العالي، إذ حل المغرب في المرتبة 178 عالمياً في هذا المؤشر، وهو رقم يعكس فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق الشغل.
ويظل التعليم قبل الجامعي الحلقة الأضعف في المنظومة، بعدما سجل المغرب أسوأ ترتيب له في هذا المجال بحلوله في المرتبة 129 عالمياً، رغم تحقيق نسب مرتفعة في التمدرس بالتعليم الابتدائي وإتمام الدراسة الثانوية.
غير أن جودة التعلمات تبقى موضع انتقاد كبير، حيث تظهر النتائج ضعفاً واضحاً في مستويات القراءة ونتائج الاختبارات الموحدة مقارنة بالمعدلات الدولية، ما يعكس أزمة عميقة في جودة التعليم وليس فقط في نسب الولوج إليه.
وتشير المعطيات السوسيو-اقتصادية المصاحبة للتقرير إلى أن المغرب يبلغ عدد سكانه أكثر من 37 مليون نسمة، مع مؤشر تنمية بشرية يصل إلى 0.71، فيما يصنف اقتصادياً ضمن الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى.
هذه المؤشرات مجتمعة تضع المغرب أمام سؤال استراتيجي حقيقي حول مستقبل التنمية المبنية على المعرفة، خاصة في ظل استمرار الفجوة بين الخطابات السياسية حول الإصلاح التعليمي والاقتصادي وبين النتائج الفعلية التي تعكسها التقارير الدولية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك