بقلم : فهد الباهي/م.إيطاليا
منذ اندلاع الثورة التونسية بعدما أحرق نفسه بائع الخضر
"البوعزيزي" أمام مقر وزارة الداخلية أواخر عام 2010 وبداية عام 2011،
دخل العالم العربي مرحلة تاريخية عرفت باسم "الربيع العربي"، حيث انتقلت
الاحتجاجات من تونس إلى عدد من الدول العربية وباقي دول العالم، لتغير المشهد
السياسي في المنطقة بشكل غير مسبوق وقتها.
واليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك الأحداث، يطرح كثيرون سؤالًا
جديدًا: هل يقف العالم على أعتاب ربيع جديد، ربما يكون هذه المرة أوسع من الحدود
العربية، بفعل تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية التي تضرب مختلف
القارات؟
تونس، التي كانت الشرارة الأولى للربيع العربي، تعيش اليوم
تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة، من بينها ارتفاع معدلات البطالة، وتباطؤ
النمو الاقتصادي، وتصاعد الجدل حول الإصلاحات السياسية، ويرى بعض المحللين أن أي
تصعيد اجتماعي كبير في تونس قد يعيد إلى الواجهة نقاشًا واسعًا حول مستقبل
المنطقة، إلا أن الظروف الحالية تختلف كثيرًا عن تلك التي سادت عام 2011، سواء على
المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي.
في الشرق الأوسط، تبدو الأوضاع أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
فالحروب والأزمات الممتدة، والصراعات الإقليمية، والتنافس على
النفوذ بين القوى الكبرى، كلها عوامل تجعل المنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار.
كما أن استمرار التوتر في عدة بؤر ساخنة يترك الباب مفتوحًا
أمام تغيرات سياسية قد تعيد رسم خريطة التحالفات خلال السنوات المقبلة.
وعلى المستوى الدولي، يشهد العالم منافسة استراتيجية متزايدة
بين الولايات المتحدة والصين، تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ العسكري
والسياسي، ويصف كثير من الباحثين هذه المرحلة بأنها شكل جديد من "الحرب
الباردة"، وإن كانت تختلف عن الحرب الباردة التقليدية بين الولايات المتحدة
والاتحاد السوفيتي، لأنها تقوم على الترابط الاقتصادي إلى جانب التنافس الجيوسياسي.
كما يظل الملف الإيراني أحد أبرز مصادر التوتر الدولي، سواء
بسبب الخلاف حول البرنامج النووي أو بسبب التنافس الإقليمي، وقد أثارت التوترات
المرتبطة بمضيق هرمز مخاوف متكررة من اضطراب حركة الملاحة وإمدادات الطاقة
العالمية التي تقف بين الفينة والاخرى، نظرًا للأهمية الاستراتيجية لهذا الممر
البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز.
إلى جانب الأزمات السياسية، يواجه العالم تحديات بيئية غير
مسبوقة.
فقد شهدت السنوات الأخيرة موجات حر قياسية وحرائق غابات واسعة
في عدد من الدول، من بينها كندا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال والجزائر
والمغرب وتونس...ويرى العلماء أن تغير المناخ يزيد من احتمالية تكرار هذه الظواهر،
مما يفرض تحديات كبيرة على الحكومات في مجالات البيئة والأمن الغذائي والصحة
العامة.
وتتزايد أيضًا المخاوف بشأن الأمن الغذائي العالمي، نتيجة تغير
المناخ، والنزاعات المسلحة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتواجه بعض المناطق خطر نقص
الغذاء والمياه، بينما تعاني دول أخرى من الجفاف والتصحر.
وتؤكد المنظمات الدولية أن هذه العوامل قد تؤدي إلى زيادة
الهجرة والنزوح، وإلى توترات اجتماعية إذا لم تُتخذ إجراءات فعالة للتكيف معها.
أما على الصعيد الصحي، فقد كشفت السنوات الأخيرة مدى هشاشة
الأنظمة الصحية أمام انتشار الأمراض والأوبئة، ورغم التقدم العلمي، لا يزال العالم
معرضًا لمخاطر صحية جديدة، خاصة مع تغير المناخ، واتساع حركة السفر، وظهور أمراض
معدية في مناطق مختلفة، مما يجعل تعزيز التعاون الدولي في مجال الصحة ضرورة ملحة.
ورغم كثرة الأزمات، فإن الحديث عن "ربيع عالمي" يبقى
في إطار التحليل والتوقع، وليس حقيقة يمكن الجزم بها.
فالتغيرات السياسية الكبرى لا تنتج عن سبب واحد، بل عن تفاعل
عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية تختلف من دولة إلى أخرى، كما أن نتائج
أي حراك شعبي أو تحول سياسي تعتمد على ظروف كل مجتمع ومؤسساته وقدرته على إدارة
التغيير.
يبدو أن
العالم يمر بمرحلة انتقالية مليئة بالتحديات، حيث تتقاطع الأزمات السياسية مع
التغيرات المناخية والاقتصادية والصحية، وقد تفرز هذه المرحلة قيادات جديدة
وتحالفات مختلفة وإصلاحات سياسية في بعض الدول، لكن من الصعب التنبؤ بأنها ستأخذ
شكل "ربيع عالمي" مشابه لما حدث في عام 2011.
المؤكد هو أن
السنوات المقبلة ستكون حاسمة في رسم ملامح النظام الدولي، وأن قدرة الدول على
معالجة أزماتها بالحوار والإصلاح والتنمية ستكون العامل الأساسي في تجنب مزيد من
الاضطرابات.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك