أجهزة كشف غش إمتحانات الباكلوريا حاضرة..فأين أجهزة كشف نهب المال العام؟

أجهزة كشف غش إمتحانات الباكلوريا حاضرة..فأين أجهزة كشف نهب المال العام؟
مقالات رأي / الخميس 04 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

في كل موسم امتحانات، تخرج الدولة بأحدث الوسائل التكنولوجية لمواجهة الغش داخل قاعات الباكلوريا، وتتحول مراكز الامتحان إلى فضاءات تخضع لمراقبة دقيقة بواسطة أجهزة إلكترونية متطورة قادرة على رصد الهواتف والسماعات وكل الوسائل التي قد تستعمل في التحايل على القانون.

ولا أحد يعارض حماية مصداقية الشهادات وصيانة مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ، لكن ما يثير الاستغراب هو أن هذه الصرامة نفسها لا تظهر بالقدر ذاته عندما يتعلق الأمر بمراقبة مصير الأموال العمومية والميزانيات الضخمة التي تصرف سنويا باسم التنمية والإصلاح.

كلما ظهرت مشكلة اجتماعية أو سلوكية جديدة، سارعت الجهات المسؤولة إلى البحث عن حلول تقنية مكلفة، وكأن التكنولوجيا أصبحت الجواب الجاهز لكل الأزمات.

فبدل معالجة الجذور الحقيقية للمشكلات، يتم اللجوء إلى شراء المعدات والأجهزة وإبرام الصفقات بملايين الدراهم، في حين تبقى الأسئلة الكبرى المرتبطة بالفعالية والنتائج الحقيقية معلقة دون أجوبة واضحة ومقنعة.

في ملف السلامة الطرقية مثلا، انتشرت الرادارات بشكل لافت في مختلف الطرق الوطنية والسيارات، وأصبحت بعض المقاطع أشبه بممرات مراقبة دائمة، ورغم أهمية الحد من حوادث السير وحماية الأرواح، فإن المواطن يتساءل عما إذا كانت الأموال التي صرفت على هذه التجهيزات كان يمكن أن تخصص جزئيا لتحسين البنية التحتية أو تعزيز التربية الطرقية أو إصلاح النقاط السوداء التي تحصد الأرواح كل سنة.

المفارقة أن الحكومة تظهر حماسا كبيرا لمراقبة سرعة السيارات، لكنها تبدو أقل حماسا في مراقبة سرعة تبخر بعض المشاريع العمومية أو تعثرها أو تضخم تكلفتها بشكل يثير الاستغراب، فالمواطن البسيط الذي يتعرض لغرامة بسبب تجاوز السرعة بعدة كيلومترات فقط، يرى في المقابل مشاريع بملايين الدراهم تتأخر سنوات طويلة دون أن يسمع عن محاسبة صارمة أو مساءلة حقيقية للمسؤولين عنها.

وفي مواجهة الجريمة والعنف، تم تعميم كاميرات المراقبة في الشوارع والساحات والأحياء، وهو إجراء يساهم بلا شك في تعزيز الأمن وتسهيل عمل الأجهزة المختصة.

لكن الأمن لا يصنع فقط بالكاميرات والعدسات الإلكترونية، بل يصنع أيضا داخل المدارس والجامعات ومؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تزرع قيم الاحترام والتسامح والانضباط في نفوس الأجيال الصاعدة.

إن الاستثمار في الإنسان يظل أقل تكلفة وأكثر مردودية من الاستثمار في وسائل المراقبة وحدها، فكل طفل يتلقى تربية سليمة وتعليما جيدا يمثل مستقبلا مواطنا صالحا ومنتجا، بينما يؤدي إهمال المدرسة والثقافة إلى ارتفاع تكاليف الجريمة والانحراف والسجون والمحاكم ومختلف الأجهزة المرتبطة بالضبط الاجتماعي.

ومع امتحانات الباكلوريا، ظهرت صور وفيديوهات لمراقبين يحملون أجهزة إلكترونية متطورة للكشف عن أدوات الغش، هذه المشاهد تعكس إرادة قوية لحماية الامتحانات، لكنها تفتح الباب أمام سؤال آخر أكثر عمقا: لماذا لا يتم إظهار المستوى نفسه من الحزم في تتبع مسارات الأموال العمومية والصفقات والتحقق من مدى احترام قواعد الحكامة والشفافية داخل المؤسسات والإدارات؟

فإذا كانت التكنولوجيا قادرة على كشف سماعة صغيرة داخل أذن مترشح لإجتياز إمتحان الباكلوريا، فمن حق المواطن أن يتساءل عن الأدوات القادرة على كشف الاختلالات المالية والتجاوزات المحتملة في تدبير بعض المشاريع والبرامج العمومية، وإذا كانت هناك إرادة لمحاربة الغش الدراسي، فإن محاربة أي شكل من أشكال هدر المال العام لا تقل أهمية، لأن آثارها تمس المجتمع بأكمله وليس فردا واحدا فقط.

إن قطاعات التعليم والصحة والدعم الاجتماعي والفلاحة تستهلك سنويا ميزانيات ضخمة من المال العام، ولذلك فإن تعزيز آليات المراقبة والتقييم والمحاسبة داخلها ينبغي أن يكون أولوية وطنية.

فالمغاربة لا يطالبون فقط بمشاريع جديدة، بل يطالبون أيضا بمعرفة كيفية صرف الأموال المرصودة لها ومدى انعكاسها الفعلي على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

الثقة بين الحكومة والدولة والمجتمع لا تبنى عبر تكاثر أجهزة المراقبة فقط، وإنما عبر الشعور العام بأن الجميع يخضع للقواعد نفسها وأن المحاسبة تشمل كل من يتصرف في المال العام كما تشمل التلميذ/ة الذي يحاول الغش في الامتحان، وعندما تصبح الشفافية قيمة يومية وليست مجرد شعار، وعندما يشعر المواطن بأن كل درهم من أموال الدولة يخضع للرقابة الصارمة نفسها التي تخضع لها قاعات الامتحان، عندها فقط يمكن الحديث عن عدالة حقيقية توازن بين حماية نزاهة الامتحانات وحماية ثروات الوطن.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك