بقلم:العلمي الحروني/منسق أرضية اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد
سبق أن أكدنا في المقالات السابقة على كون خطة ترامب للهدنة بغزة لم تفض عمليا إلى إيقاف النار بقطاع غزة، وأن "مجلس السلام" المؤسس بموجب القرار الأممي رقم 2803 الصادر يوم 17 نونبر 2025 الذي وافق على يسمى بخطة السلام لدونالد ترامب لم يذكر الشعب الفلسطيني البتة ولم يفتح أفقا سياسيا للفلسطينيين يفضي في النهاية الى تقرير مصيرهم وتشكيل دولتهم المستقلة ذات سيادة، وكأن الأمر يتعلق بإنكار وجود شعب فلسطيني ودعم ضمني للإبادة التي تعرض لها.
في هذا الاطار، فقبل خطة ترامب، برز توجه صهيوني غربي يسير نحو هذا المسعى تمهيدا لمجلس السلام الخطير والذي سنشير في الفقرات التالية إلى بعض عناصره.
في هذا الاتجاه، يأتي تصريح الصحافية بريطانية ميلاني فيليبس والمعلقة السياسية اليهودية الصهيونية خلال مؤتمر "الغضب في مواجهة الكراهية" (Rage Against the Hate ) الذي عقد في متحف التراث اليهودي في نيويورك بتاريخ 27 أكتوبر 2025 تقول فيه إنه "لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني" ، حيث بدأت خطابها بإنكار وجود فلسطين أو الفلسطينيين، زاعمة أن السكان الأصليين الوحيدين للأرض هم اليهود، وأنهم وحدهم يمتلكون "الحق التاريخي والقانوني والأخلاقي" في ملكية الأرض الممتدة "من النهر إلى البحر". ذلك إلى إنكار للتاريخ بوجود "الشعب الفلسطيني" واعتبار أن العدالة في المنطقة لا تتوقف على قيام دولة فلسطينية.
هكذا أصبح الكيان الصهيوني يروج لكذبة كبرى تفيد أن الفلسطيني عدو الإنسانية نفسها، هذا الكذب يجب على الجميع مواجهته ومحاربته لدى الرأي العام العالمي عامة ووسط العالم اليهودي خاصة، ذلك أن عدالة القضية الفلسطينية تجعلها في الواقع تقود كل القضايا الأخرى بما يسمى بالشرق الأوسط وعلى امتداد العالم.
في حين أنه في الواقع وقبل حوالي 80 سنة، لم تكن هناك دولة إسرائيلية أو أمة يهودية ذلك أن إسرائيل مجرد أسطورة وخرافة مستمدة من الكتاب المقدس. أما الفلسطينيون، فقد كانوا بأرض فلسطين التاريخية كالأغلبية حتى سمح الغرب الامبريالي بعد الحرب العالمية الثانية بتدفق اليهود الأوروبيين وغيرهم من العالم الإسلامي نفسه وقتل وطرد وتهجير السكان الأصليين من أراضيهم. أليس بنيامين نتنياهو بولندي وكذلك آخرون من أصول أوروبية شرقية خاصة؟.
بالمناسبة، فغالبية الإسرائيليين تدعم سياسات الحكومة تجاه غزة وفقا لاستطلاعات جديدة في إسرائيل، وحتى لو تمت إزالة نتنياهو من السلطة لا يوجد أمل في أي تغيير في هذا المنحى في المستقبل. لا يملكم الفلسطينيون جيشا ولا قوة دولية تحميهم خاصة مع إضعاف مكونات محور قوى المقاومة بالمنطقة، وإذا لم تتدخل الدول الأخرى، فإن الكيان الصهيوني لن تسمح لهم بالبقاء على الأرض، فهي تريد إبادتهم أو تهجيرهم بكل الوسائل، فالصهاينة جماعة من المجانين الإباديين خارحجين عن القانون الدولي. ولأن الكيان الصهيوني يشكل عبئا ضخما على المجتمع الدولي، أصبح الرأي العام في الولايات المتحدة يتحول ضد الصهاينة، في هذا الصدد هناك اعتقاد سائد بأمريكا بأن إسرائيل يجب أن تتوقف عن الوجود، أن تتفكك، لأنها مجرد كيان لقيط اصطناعي يعتمد على معتقدات دينية؛ وبفعل بفعل تأثير الضغط الدولي، ستتغير العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة نفسها بشكل كبير خلال 20 عاما.
وإذا تأملنا ما يتعلق بإبادة إسرائيل للفلسطينيين، فإن تأكيد دونالد ترامب على أن "حكومة إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، وأن الولايات المتحدة تدعم ذلك" يعد موقفا نادرا بين السياسيين. فالولايات المتحدة تعد اليوم أكبر داعم للإبادة الجماعية في العالم. غير أن هذا الموقف بدأ يشهد تحولا داخليا داخل الولايات المتحدة، إذ بدأ عدد متزايد من الأمريكيين ينظرون إلى الإسرائيليين بوصفهم مجرمين قتلة.
وقبل ذلك، كان جو بايدن، الذي تواجد في غرفة العمليات أثناء قتل الفلسطينيين في أعقاب طوفان السابع من أكتوبر 2023، ملتزما بحماية الكيان الصهيوني من أي مساءلة، والتعامل معه بوصفه حالة استثنائية فوق القانون. وقد تجلى هذا الموقف بشكل صارخ في الإعلان المشترك الصادر بمناسبة زيارة الرئيس بايدن إلى إسرائيل في يوليو 2022، حيث جرى التأكيد على "الروابط غير القابلة للكسر بين بلدينا والالتزام الدائم للولايات المتحدة"، وعلى تصميم "الدولتين على مكافحة جميع الجهود الرامية إلى مقاطعة إسرائيل أو نزع شرعيتها أو حرمانها من حقها في الدفاع عن النفس أو تمييزها في أي منتدى، بما في ذلك الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي".
ويفسر هذا الالتزام الرفض الأمريكي المستمر لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها المتكررة للقانون الإنساني الدولي، ورفض محاكمتها أمام المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى عرقلة إدانة هجماتها على غزة.
وهذا مايكل هكبيال السياسي الأمريكي والقسيس المسيحي المعمداني الصهيوني، وحاكم سابق لولاية أركنساس وأحد المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2008 عن الحزب الجمهوري، يصرح بأن المسيحيين ملتزمون بدعم إسرائيل، لأنه بحسب معتقدهم، كل إيمانهم مبني على أساس اليهودية. فالمسيحيون يشعرون بواجب أخلاقي تجاه اليهود، لذلك يدعمونهم كواجب ديني مسيحي. ذلك، بالرغم من التصور العقلي والفلسفي للصهيونية المسيحية التي تتحدث عنها بعض التيارات الغربية والتي لديها فكرة إنهاء تواجد جزء من اليهود في العالم بقتلهم، ودفع الجزء الآخر للتحول إلى المسيحية. بالرغم من اعتقاد الصهيونية المسيحية هذا، فهي مع ذلك تساند إسرائيل لأنها تظن أن وجود دولة إسرائيل سيسرع عودة مخلصهم عيسى. (يمكن الرجوع إلى أرضية اليسار الجديد المتجدد في الرابط أدناه)
فيما يتعلق بقضية دونالد ترامب وملف جيفري إبستين، التي سبق أن عادت إلى الواجهة بقوة سنة 2025 عقب تغريدة نشرها إيلون ماسك، كبير مستشاري البيت الأبيض السابق ومساعد وزارة كفاءة الحكومة سابقا، قبل أن يحذفها لاحقا، زعم فيها أن اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورد ضمن ملف إبستين، فقد تزامن ذلك مع تطور بالغ الدلالة تمثل في استقالة مارجوري تايلور غرين، عضو مجلس النواب عن الحزب الجمهوري. وقد كشفت هذه الاستقالة عن واحدة من أعمق الهزات داخل معسكر حركة "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" (ماجا) منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
ولم تعد هذه الحركة كتلة صماء تدور بالكامل في فلك زعيمها كما بدأت في بداياتها، أضحت اليوم تعكس حجم الانقسامات والتناقضات الداخلية التي تعصف بها، في وقت يبدو فيه أن ترامب قد عزل نفسه سياسيا من خلال صدامه مع بعض أقوى داعميه، في خطوة قد تنم عن قصر نظر سياسي، وربما تحمل تبعات مدمرة على مستقبله.
قوة الهزة التي أصابت حركة ماغا دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب لسحب دعمه للنائبة الجمهورية مارجوري تايلور، إحدى أبرز الوجوه الممثلة لحركة ماجا، وفتح الباب أمام دعم منافس لها في ولاية جورجيا، مصحوبا بهجوم علني عليها واتهامها بالانحراف نحو اليسار. وجاء ذلك ردا على مواقفها المعارضة للدعم الأميركي لإسرائيل، ودعمها مشروع قانون قدمه الحزب الديمقراطي في الكونغرس يدعو إلى الكشف الكامل عن إحدى أكثر الفضائح الجنسية إثارة للجدل في التاريخ الأميركي المرتبطة ملفات جيفري إبستين التي سنعود إليها في الحلقة القادمة.
خلاصة القول، إن ما يجري اليوم يعكس توجها خطيرا يقوم على إنكار وجود الشعب الفلسطيني نفسه واعتبار الفلسطيني عدوا للانسانية، وإغلاق أي أفق لحقه في تقرير المصير، هذا التوجه يعكس أيضا دعما وقحا وصريحا في كثير من الأحيان للإبادة التي يتعرض لها. هذا المسار، الذي تتقاطع فيه الصهيونية مع الدعم الأميركي غير المشروط، لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يحمل في طياته بذور تفكك داخلي عميق داخل الولايات المتحدة ذاتها.
ففي الداخل الأميركي، بدأ هذا التوجه يرتد على صانعيه، حيث يقود إلى تصدع حركة ماجا، وتحولها إلى ساحة صراع وانقسام، مع تآكل شرعية زعيمها وعزله. ومع تصاعد ملفات ثقيلة، على رأسها فضيحة جيفري إبستين، لم يعد استبعاد إبعاد ترامب عن المشهد السياسي، أو حتى محاكمته، مجرد احتمال نظري، و سيناريو تفرضه موازين داخلية متحركة وضغط متزايد من الرأي العام. وهكذا، فإن إنكار الشعب الفلسطيني ودعم الإبادة سيكونان بداية النهاية لمشروع ترامب السياسي وحركته. ( يتبع) .
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك