المغاربة بين كرم التاريخ وتحديات الحاضر..هل آن أوان المراجعة؟

المغاربة بين كرم التاريخ وتحديات الحاضر..هل آن أوان المراجعة؟
مقالات رأي / الأربعاء 21 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم: محمد احواش

عُرف الشعب المغربي عبر تاريخه الطويل بالكرم وحسن الضيافة ولين المعاملة مع الأجنبي قبل القريب، وهي خصال متجذرة في الثقافة والدين والتقاليد. لم يكن المغرب يومًا بلدًا منغلقًا أو طاردًا للآخر، بل كان دائمًا أرض عبور واستقرار وتلاقح حضاري. غير أن سؤالًا بات يُطرح اليوم بإلحاح في الشارع المغربي: هل تجاوز هذا الكرم حدّه الطبيعي وتحول إلى عبء اجتماعي وأمني واقتصادي؟ وهل أصبحت الدولة والمجتمع معًا أسرى لما يمكن تسميته بعقدة تفضيل الأجنبي على حساب المواطن؟

كثير من المغاربة يشعرون بأن ميزان المعاملة اختل. فبدل أن يُقابل الكرم بالاحترام والاندماج الإيجابي، يُقابل في حالات عديدة بنكران الجميل وسلوكات منحرفة، من اعتداءات وسرقة وفوضى في الفضاءات العامة، إلى مظاهر تسول منظم واحتلال للأرصفة والأحياء السكنية. هذا الإحساس الشعبي لا يولد من فراغ، بل يتغذى من وقائع يومية يراها المواطن البسيط في مدنه وقراه.

الأخطر من ذلك هو ما يصفه البعض بالتهديد الديمغرافي الصامت. فمدن مغربية كبرى باتت تعج بآلاف المهاجرين الأفارقة غير النظاميين، كثير منهم بدون أوراق هوية أو وضع قانوني واضح. يعيشون ويشتغلون في أنشطة غير مهيكلة، ويطالبون بمعاملة تفضيلية في السكن والمساعدة الاجتماعية والخدمات، في وقت يعاني فيه شباب مغاربة من البطالة والتهميش وصعوبة الولوج إلى أبسط الحقوق.

هذا الواقع يطرح سؤال السيادة والإنصاف الاجتماعي. هل من العدل أن يشعر المواطن في بلده بأنه أقل أولوية من أجنبي دخل بطريقة غير قانونية؟ وهل سياسة التساهل المفرط لا تشجع مزيدًا من التدفقات غير النظامية، بما يحمله ذلك من ضغط على البنيات التحتية وسوق الشغل والخدمات الصحية والتعليمية؟

أحداث كأس إفريقيا الأخيرة أعادت هذا النقاش إلى الواجهة بقوة. فالفوضى التي رافقت بعض المباريات، والاعتداءات على عناصر الأمن والممتلكات، لم تكن مجرد تصرفات فردية معزولة في نظر كثيرين، بل مؤشرات على هشاشة التحكم في ملف الهجرة غير النظامية. الأخطر أن هذه السلوكات امتدت خارج الحدود، حيث تعرضت جاليات مغربية في بعض الدول لاعتداءات انتقامية، وكأن المغرب يُحاسَب جماعيًا على تساهله أو ضعفه في فرض القانون داخل أراضيه.

لا يعني هذا الكلام الدعوة إلى العنصرية أو الكراهية أو التنكر لقيم التضامن الإنساني. المغرب بلد مسلم وإنساني، ولن يكون يومًا معاديًا للغريب المحتاج. لكن الفرق كبير بين التضامن المنظم القائم على القانون، وبين الفوضى التي تُدار بعقلية العاطفة وحدها. الهجرة غير النظامية، بهذا الشكل الكثيف وغير المضبوط، ليست فقط مشكلة إنسانية، بل قنبلة موقوتة اجتماعيًا وأمنيًا وديمغرافيًا قد تنفجر في أي لحظة إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

المطلوب اليوم ليس شيطنة المهاجر، بل إعادة ترتيب الأولويات. حماية كرامة المواطن المغربي يجب أن تكون في الصدارة. فرض احترام القانون على الجميع بدون استثناء. تسريع مساطر التسوية لمن يستحقها، والترحيل المنظم لمن لا تتوفر فيه الشروط القانونية. محاربة شبكات التهريب والاستغلال التي تتاجر في بؤس هؤلاء البشر وتستعمل المغرب كورقة ضغط جيوسياسية.

هل نحن أمام عقدة تفضيل الأجنبي؟ ربما ليس بهذا التبسيط، لكن المؤكد أن هناك ارتباكًا في الرؤية وغيابًا لحزم سياسي واضح. الكرم المغربي قيمة نبيلة، لكنه لا يجب أن يتحول إلى ضعف استراتيجي. آن الأوان لمراجعة هادئة وشجاعة لسياسات الهجرة، توازن بين الواجب الإنساني وحق الدولة في حماية أمنها واستقرارها ونسيجها الاجتماعي.

المغاربة لا يطالبون بالقسوة، بل بالعدل. لا يرفضون الآخر، بل يرفضون الفوضى.

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نملك الجرأة للانتقال من منطق العاطفة إلى منطق.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك