بقلم:محمد زاوي
قبل أيام كنت قد شاركت مع القراء اقتباسا من كتاب "مُنجَز عبد الله العروي: مقدمات في التأسيس النظري"، ومما جاء في هذا الاقتباس:
"ليس للعروي مثيل في عالم الفكر والفلسفة المعاصرين. إنه أكبر مفكر عرفه النصف الأخير من القرن العشرين، والعقدان الأولان من الألفية الثالثة".
ولم أنتبه في إبان نشر الاقتباس ومشاركته إلى بعض التعقيبات التي يُعذَر أصحابها على كل حال، فليس النظر السديد طوع كل أحد، وليست النفوس واحدة في كبح جماحها عند التلقي وممارسة الفكر والتحليل..
إلا أنني ارتأيت البيان في موضع لا يقبل الصمت، حتى لا يظن البعض أن الأمر مرتبط بمجازفة في القول أو قصور في تصور الفكر المدروس وحدوده ومدى تميزه عن غيره.. وهذه بعض إشارات في ذلك:
1-"ليس للعروي مثيل" دلالة على نفي المثل لا على تفوق، وليس تفرد العروي في أطروحته ومجال اشتغاله ومواكبته بخاف على أحد.. وسنعرض بعض هذا التفرد أسفله.
2-قولنا: "أكبر مفكر عرفه النصف الأخير من القرن العشرين، والعقدان الأولان من الألفية الثالثة" استنتاج مبني على مقارنة بكبار مفكري القرنين 20 و21؛ وبما أن هذا الاستنتاج كان عرضيا في الكتاب، فإننا لم نخض غمار الاستدلال عليه..
3-يأتي تفوق العروي من مادته في التعريف بالمفاهيم المركزية للحداثة ما لم نجده عند غيره بنفس الكثافة والاستحضار والتركيز والاستخلاص.. "مفهوم التاريخ" مثلا وحده معلمة لا يستغني عنه كل مؤرخ، أما كيفية بنائه وتركيبه فلم يبلغ إلى علمنا واطلاعنا ما يظاهيها أو يتفوق عليها لدى محترفي التاريخ غربا وشرقا، شمالا وجنوبا..
4-ومن تفوق العروي أيضا، أنه جمع بين التأريخ وفلسفة التاريخ، وتحديد مفاهيم الحداثة، وكتابة الرواية والمسرح، وإنتاج الإيديولوجيا، ودراسة النفس والمجتمع والثقافة والاقتصاد، ومواكبة الأحداث بالتحليل، والانفتاح على الفنون والآداب بمنظور خاص… وللدارسين بعمق، فقد جمع بين منطق العلم وآفاق الفلسفة، بين حفر الوضعانية وحدود التاريخانية، بين اعتبار لضرورة الحاضر وحتمية المستقبل، بين التأييد والمعارضة، بين الأدلوجة والحقيقة، الخ.. هذا الجمع هو ما أهله للتفوق.
5-العروي مدرسة خاصة في الماركسية، "ماركسية موضوعية" يتجاوز بها الماركسيات المطروحة في الشرط العربي، أو تلك الخاصة بأزمنتها، بل يجعل منها امتدادا لتجاوز الفكر الإقطاعي بالليبرالية الفرنسية، وهذه بالتجريبية البريطانية، وهذه بالماركسية في شرطها الألماني، وهذه بالماركسية في شرطها الروسي، وهذه بالماركسية في شرطها الصيني.. وحدهم قراء "الماركسيات العربية" سيعرفون إلى أي حد كانت ماركسية العروي متفوقة ومطلوبة إلى اليوم.
6-إن تفوق العروي في الكل، في مشروعه التركيبي، لا يضفي عليه التفوق في كل أجزائه، ولا ينفي التفوق عن غيره في أجزاء مستقله.. فهو لم يطور التحليل النفسي كما فعل جاك لاكان، ولم يبلغ بالبنيوية الأنثروبولوجية ما بلغه بها كلود ليفيستراوس أو موريس غودوليية، ولم ينتج نظرية في الفعل التواصل كما فعل يورغن هابرماس، ولم يكتب في الاقتصاد السياسي المالي كما كتب فالنتاين كاتاسنوف، ولم يكتب في النظم السياسية والدستورية كما فعل فرانسيس فوكوياما، ولم يبتكر نظريات في اللسانيات كما عُرف عن نعوم تشومسكي، الخ.. تفوقه مستمد من تركيبه ودمجه لهذا التركيب في سياق تاريخي بعينه وخاضعا لهذا السياق.
7-إن قارئ العروي، يجد له موقفا في التاريخ والفلسفة والعلم والوجدان والتراث وعلم النفس والسوسيولوجيات وعلم السياسة و"عالم السياسة" وعلم الاقتصاد والاقتصاد السياسي ونظرية الرواية ونظرية الأدب ومدارس السينما والفن التشكيلي الخ.. وإنه لا يجد هذه المواقف عامة لا تكتنز عمقا نظريا، بل يجدها فضاءات البحث والاستشكال، كأنها وقوف عند حدود المعرفة الحديثة..
حسبنا هذه الإشارات، وفي التفاصيل تكمن حقائق أخرى.. هذه دعوة للنظر، وليست فتح باب التحدي. لا ضير في الاختلاف والنقاش، دون أن يتحول الكلام في الأفكار والفلسفات والأنظار إلى قناع لمآسينا الخاصة، وربما العامة!

لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك