مجلس السلام أم مجلس الإنقاذ؟ الحلقة الأولى:إزاحة الستار عن خلفيات "مجلس السلام"

مجلس السلام أم مجلس الإنقاذ؟ الحلقة الأولى:إزاحة الستار عن خلفيات "مجلس السلام"
مقالات رأي / الأحد 01 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:العلمي الحروني/منسق أرضية اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد

سبق أن ذهبنا، في أرضية اليسار الجديد المتجدد" (2025) إلى اعتبار أن الإطار المنطقي والطبيعي لإيجاد حل للقضية الفلسطينية هو الأمم المتحدة، بوصفها السبيل الوحيد الممكن في ظل معمعان الاضطرابات والتحولات العالمية العميقة، التي تدفع العالم، بحكم منطقها الداخلي، إلى البحث عن توازن دولي جديد ما. غير أن مستجدا نوعيا يفرض نفسه اليوم، يتمثل في الإلغاء العملي للأمم المتحدة لدورها، عقب إجازتها لخطة دونالد ترامب، وما أعقب ذلك من الدفع نحو إنشاء مخلوق جديد أو مؤسسة عالمية جديدة تحت مسمى "مجلس السلام".

هذا المعطى الجديد يطرح سؤالا جوهريا: هل تفرض تسارع الأحداث مراجعة موقفنا الذي صغناه سنة 2025؟ أم أن الأمر يستدعي، على العكس، التمسك به، انطلاقا من فرضية الإبقاء على أطروحتنا السابقة القائلة بأن الأمم المتحدة تظل المكان الطبيعي للحل، مع ما يتيحه ذلك من إمكانية واحتمال استصدار قرار جديد بشأن فلسطين، يعزز رصيدها التاريخي من القرارات المؤيدة لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة في حدود 1967؟ وما السياق الجيوسياسي والاصطفافات المستجدة الذي دفع أمريكا الى خلق مجلس السلام؟ وما الذي تخفيه خطة ترامب للسلام في غزة؟ ألا يفتح هذا التطور الجديد الباب أمام تساؤل أعمق حول ما إذا كانت خطة ترامب ذات النقاط العشرين، و"مجلس السلام" المنبثق عنها، تدفع في اتجاه تقسيم أو إضعاف الأمم المتحدة نفسها، وهو مسار لطالما سعت إليه الولايات المتحدة؟  وكيف يمكن تفسير عدم نقض الصين وروسيا للقرار الحالم لخطة ترامب؟ هل للعملاقين وجهة نظر في الموضوع؟ وما نعكاسات القبول بخطة ترامب على الغرب؟ وما الدوافع وراء حماس وتسارع انضمام بعض الدول الإسلامية ومن ضمنها المغرب إلى ما يسمى مجلس السلام؟

تسارع الأحداث الدولية اليوم بفعل موجة التضامن الدولي والشعبي العالمي الواسعة مع الشعب الفلسطيني، كان نتيجة انكشاف الطابع الإبادي لجرائم الحركة الصهيونية وهو ما سنتطرق اليه في النقاط التالية.

 تتجلى النقطة الأولى في قبول محكمة العدل الدولية، التي تتوفر على صفة المدافعة عن المنظومة القيمية والمنظومة القانونية ، للدعوى التي تقدمت بها إليها دولة جنوب افريقيا في قضية الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني من طرف العدو الإسرائيلي الصهيوني، واعتبار المحكمة معطيات الملف منطقية وأدلته متماسكة، ترقى بالحكم بجرائم اسرائيل ضد الفلسطينيين.  

 تتمثل النقطة الثانية في إصدار محكمة الجنايات الدولية، كأعلى محكمة قضائية في العالم، لمذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، ورفض نفس المحكمة تعليق التحقيق مع المجرمين ورفضها للطلبين المنفصلين تقدم بهما الكيان الصهيوني في هذه القضية، الأول طلب سحب مذكرات الاعتقال الصادرة بحقهما أو إلغائها أو إعلان بطلانها، والثاني الطلب من مكتب المدعي العام تعليق التحقيق الجاري بشأن الوضع في فلسطين الذي قدمته إسرائيل في 9 مايو 202. 

يعتبر قرار المحكمتان الدوليتان المنبثقتان من المنظومة الدولية من هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن نقطة  تحول تاريخية أيقظت الذاكرة الجمعية للانسانية ضد الجرائم الصهيونية - الامبريالي، كما ساهم بشكل كبير في انهيار الرواية الرسمية الصهيونية التي حكمت العقل الغربي والدولي بشأن الشعور بالاستثناء في العقل الإسرائيلي والحالة الاستثنائية الصهيونية الاسرائيلية في العرف الدولي منذ 1948 بسبب الهولوكوست. كما أن القرار انتصار للعدالة بالمنظومة الدولية التي كانت مهمشة، انتصار ليس فقط للشعب الفلسطيني وإنما لشعوب أبيد آباؤهم في أمريكا اللاتينية، ولشعوب إفريقيا التي تطالب بالاقرار بالإبادات الجماعية التي اقترفت في القرن السابع والثامن و التاسع عشر،  ولشعب استراليا الذي تم سحقه وتدميره على يد المستوطنين البيض، لشعب الشيروكي الذي أبيد بأكمله على يد المستوطنين الأمريكيين لتحل محله الولايات المتحدة الأمريكية، ... ، كما كان القرار كذلك بمثابة إحياء للعقل الجمعي الذي جعل من  فلسطين مرجعا رمزيا وقضية ضمير إنسانية. 

لقد شكل القراران السالفان الذكر ضربة قوية للكيان الصهيوني ولأمريكا وألمانيا خاصة، ودفعا الإتحاد الأوروبي إلى الإسراع بالاعتراف أو التأكيد على القرار، وهو ما خلق تصدعات داخل أوروبا ( أسبانيا، والنرويج وايرلندا واسكوتلندا وبلجيكا وفرنسا). ذلك أن دعم المحكمة الجنائية الدولية وقرارات محكمة العدل الدولية وضع إسرائيل أمام تهديد مباشر بالمحاسبة ويفقدها هامش المناورة التقليدي.


من جهة أخرى عكس تأسيس حلف سياسي جديد يعرف باسم "مجموعة لاهاي" بتاريخ 31  يناير 2025 مكون من تسع دول  والذي تصاعد وتوسع بانضمام 21 دولة جديدة من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا خلال المؤتمر الثاني للمجموعة المعروف ب "قمة بوغوتا" في كولومبيا، يومي 15 و16 يونيو 2025،  ليرتفع عدد الأعضاء إلى 30  دولة، ما يعكس اتساع رقعة الدعم العالمي للقضية الفلسطينية ضمن دول الجنوب ويعتبر ذلك  تحولا نوعيا داخل دول الجنوب نحو مواجهة ممنهجة لإسرائيل عبر المقاطعة والمساءلة القانونية والملاحقة الدولية لقادة إسرائيل.

كما دفعت الإبادة الجماعية الأمم المتحدة للإعلان الرسمي وللمرة الأولى يوم الجمعة 22 غشت 2025  عن تفشي المجاعة على نطاق واسع في قطاع غزة، وأكدت أن نصف مليون شخص يواجهون خطر الجوع "الكارثي"، وهي المرة الأولى التي تعلن فيها المجاعة بمنطقة الشرق الأوسط. 

هذا بالإضافة لتوقيع وثيقة من طرف أزيد من  500 أساتذة جامعيين كبار يهود يدعون للمقاطعة الأكاديمية  في هولندا وإيطاليا وأمريكا و كندا، أكاديميون يهود بارزون في مجالات الفلسفة و العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط، ومن أبرزهم نذكر نعوم تشومسكي  و جوديث بتلر و إيلان بابيه وغيرهم.

هكذا، إذن، حصلت تصدعات في الجدار السميك الذي كانت تستند إليه الكيان الاسرائيلي. فبفعل هذا الحراك الشعبي والدولي، بأبعاده القانونية والسياسية/الديبلوماسية، إلى جانب مراجعة علاقات إسرائيل مع دول أوروبية وأمريكية لاتينية، ما كرس حالة عزلة عميقة سياسية وقانونية متزايدة على المستوى الدولي للكيان الصهيوني وللولايات المتحدة الداعمة والمساندة له. هذا التحول الجديد الحاصل اليوم يجب عدم الإستهانة به وتعزيزه من خلال الفعل الشعبي والسياسي والدبلوماسي.

أمام كل ما سبق، أليس من الواضح أن الهدف الحقيقي من إنشاء "مجلس السلام" هو محاولة إنقاذ الولايات المتحدة من عزلتها الدولية، وإنقاذ الكيان الصهيوني وقادته من مسار العزلة والتفكك والانهيار ومحاكمة قادته المجرمين المتورطين في إبادة جماعية لشعب فلسطين؟ جوابنا جازم، ذلك أن "مجلس السلام" برز كطرح إنقاذي لإسرائيل، يهدف إلى كسر العزلة واحتواء الضغوط الدولية والشعبية عبر مسار سياسي بديل.

 فاتح فبراير 2026

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك