الحرب الأوكرانية السياق والتداعيات والمخاطر والفرص:تحولات النظام العالمي وهل هي بداية أفول الهيمنة الغربية؟(الجزء3)

الحرب الأوكرانية السياق والتداعيات والمخاطر والفرص:تحولات النظام العالمي وهل هي بداية أفول الهيمنة الغربية؟(الجزء3)
مقالات رأي / الجمعة 13 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:العملي الحروني/مناضل يساري

بعد تناول الخلفيات التاريخية والدوافع الجيوسياسية لانفجار الصراع العالمي في أوكرانيا ( الجزء الأول) والأسباب السياسية والرهانات الحضارية والجيوسياسية لأطراف الصراع. في هذا السياق، نتناول في هذا الجزء الثالث من سلسلة مقالات حول "الحرب الأوكرانية السياق والتداعيات والمخاطر والفرص" ما تطرحه الحرب الأوكرانية من أسئلة حاسمة حول مآلات الصراع، ومؤشرات النصر والهزيمة، وتداعياته على مستقبل النظام العالمي. فماذا عن درجة تحقيق كل طرف لأهدافه؟ وأين تتجه الحرب الأوكرانية؟ وما مؤشرات الانتصار أو الهزيمة؟ 

الصراع في أوكرانيا هو في عمقه صراع قائم بين الصين كقوة صاعدة تريد أن تخترق السقف والولايات المتحدة الأمريكية كقوة سائدة تريد أن تمنعها من اختراق هذا السقف. ذلك وفق قاعدة /نظرية قديمة منذ حوالي 25 قرنا "مصيدة  ثوقيديديس"  للمؤرخ اليوناني " ديودور الصقلي" عن حديثه عن الصراع بين أثينا كقوة صاعدة وسبارتة بدعم فارسي كقوة سائدة والمنتصرة في الحرب البيلوبونيسية. ما أشبه الأمس باليوم. هذا الصراع سيخترق مجمل التاريخ الإنساني للنظام العالمي.

من جانب آخر، سبق أن تطرق لرواد المدرسة المطمئنة أو مدرسة التعايش وتفادي التصادم، إلى الأسباب العميقة لتواري الإمبراطورية الامريكية ولصعود الصيني. من المنظرين لهذ ا "كيفن راد " وهو رئيس وزراء استراليا السابق في مؤلفه  "الحرب التي يمكن تفاديها" و المفكر السنغافوري " كيشور مهبوباني "Kishore Mahbubani‏ " سفير سنغافورة في مجلس الأمن  ورئيس مجلس الأمن الدولي  سابقا، في عديد من المؤلفات منها  كتاب "ما بعد عصر البراءة"، وكتاب "إعادة بناء الثقة بين أمريكا والعالم " وكتاب "هل فازت الصين؟" و"هل خسر الغرب؟" و"نصف العالم الآسيوي الجديد: التحول الحتمي للقوة العالمية نحو الشرق" و"القرن الـ21 الآسيوي" وكتب اخرى.


غير أن عديد من المفكرين، من المدارس أو التيارات الغربية والشرقية في الفكر المعاصر والعلاقات الدولية، يجمعون على أن الحرب الأوكرانية صراع وجودي لكل من أمريكا وحلف الناتو ولاستمرار الهيمنة على النظام العالمي، ويعتبرون أن انسحاب الولايات المتحدة من هذه الحرب يعد دليلا على هزيمة الغرب فيها، وهناك عدة مؤشرات في هذا الاتجاه. الهزيمة الأمريكية هذه ستغير كل شيء، وأنها ليس سوى بداية سقوط أمريكا، وأن الحرب هي السبب في فوز دونالد ترامب لإدارة هزيمة الولايات المتحدة، والتي لم تعد أصلا مركزا للاقتصاد العالمي.

يميل الى هذا التحليل البروفيسور الأمريكي الشهير في جامعة شيكاغو " جون ميرشايمر(John J. Mearsheimer‏) في كتابيه "تراجيديا/مأساة سياسة القوة العظمى"(2001) الذي يعد ركيزة في نظرية الواقعية الهجومية في العلاقات الدولية، وأيضا المؤرخ الفرنسي إيمانويل تود في كتابه " هزيمة الغرب" (2024).  هذه الهزيمة، بحسبه، التي أصبحت قائمة، بل ونهائية إلى حد كبير، وستكون الإطار العام للأحداث العالمية القادمة.

هكذا، فمع بداية القرن العشرين، انطلاقا من الحرب العالمية الأولى، وبعد أن ضمنت أمريكا الهيمنة الاقليمية، انتقلت الى الهيمنة الدولية.  فتاريخ أمريكا، كدولة وحضارة فتيتين عمرها قرنان، يختصر " جون ميرشايمر ذلك بقوله أن "القرن الأول للاستفراد بإقليم أمريكا الشمالية، القرن الثاني للتمدد في العالم". وهي حاليا في توار وسقوط.  

لهذه الهزيمة بعدين أساسيين، تتعلق الأول هو أنها هزيمة أمام الاتحاد الروسي، والثاني عنصر بنيوي يتعلق بالهزيمة أمام القوة الاقتصادية الصينية.

فيما يتعلق بالهزيمة أمام روسيا، لقد أدركت الولايات المتحدة في مرحلة ما أنها لا تمتلك القدرات الصناعية-العسكرية الكافية لإمداد القوات الأوكرانية، وأنها لن تنجح أمام روسيا.

وفي المقابل، فهمت روسيا أنها ستنتصر في نهاية المطاف، وأن لديها الوسائل لذلك، وبرهنت عن صمدها  أمام الضغط العسكري والعقوبات الغربية. بدعم من الصين وعديد من القوى الفاعلة كإيران والهند ...

يبدو أن روسيا لم تعد لها أي ثقة في الغرب. وتعتبر التفاوض على أساس خطط الحل المطروحة ذات النقاط 28 و22 و19 ملهاة ومجرد مسرحية. لذلك فالتحليلات والتوقعات تظهر أن الحرب الأوكرانية ستنتهي عند حصول روسيا على الاطمئنان الكامل، وللاطمئنان وإنهاء صراعها الحربي المكلف، ستستمر في التقدم على ساحة المعركة حتى حدود نهر الدنيبر والاستيلاء على مدينة أوديسا التي أسستها روسيا في عهد كاترين الثانية، لأن روسيا يجب أن تكون في مأمن من الطائرات المسيّرة البحرية وغيرها القادمة من أوديسا، وهناك ستتوقف الحرب، هذا شرط موضوعي. 

أما فيما يتعلق بالبعد الآخر، بالعنصر البنيوي الثاني أي بالقوة الاقتصادية الصينية من الواضح أن هذه القوة تزداد وضوحا، تحقق مستوى التفوق الإنتاجي الصيني على الولايات المتحدة قبل الحرب (منذ 2017) وأثنائها. وبالفعل، لقد " أسقطت الصين أمريكا من عرش الاقتصاد العالمي" بتعبير رجل الأعمال الفلسطيني طلال أبو غزالة مستندا لتقارير مؤسساتية دولية مختلفة، وهو ما سمح بانتصار روسيا المسنودة اقتصايا بالكامل من الصين والهند....

القاعدة، إذن، التي يجب عدم نسيانها عند كل تحليل لمستقبل العالم هي هزيمة الولايات المتحدة وعموم الغرب في الحرب الأوكرانية. وقد أصبحت قائمة ونهائية إلى حد كبير، ستكون، كما سلف ذكره، الإطار العام للأحداث القادمة وضمنها، حاليا، العدوان الامبريالي الغربي- الأمريكي الصهيوني على إيران كمركز محور المقاومة وقبلها على فينزويلا. 

هكذا، فالحرب الأوكرانية تعكس أول هزيمة استراتيجية شاملة للولايات المتحدة وحلفائها، عسكريا وصناعيا واقتصاديا، وقد أظهرت الحرب عجز الغرب عن حسم الصراع ميدانيا، وفشل العقوبات في إخضاع روسيا، مقابل صعود محور دولي جديد تقوده الصين وتتحالف فيه روسيا مع قوى فاعلة ممانعة رافضة للهيمنة الأمريكية وأخرى تحولت مواقفها إلى ما يمكن اعتباره " حيادا إيجابيا". 

هذا التحول يضع الغرب بقيادة امريكا أمام أزمة وجودية عميقة، وهو ما يفسر اندفاع أمريكا وهروبها إلى الأمام، ومعها الغرب الأوروبي خاصة، نحو عسكرة متزايدة وتوسيع دوائر الصراع، كما يظهر في الانتقال من أوكرانيا إلى فلسطين إلى آسيا وأمريكا اللاتينية كفينزويلا ثم إلى إيران ولائحة "الانتظار" لهذا الانتقال طويلة تضم كندا وغريلاند ولا نستبعد منها أفريقيا وخاصة بلاد المغارب وغيرها. إنها محاولة لإعادة بناء الهيمنة عبر الاقتصاد الحربي، في أوروبا خاصة ألمانيا. وعليه، فإن الحرب الأوكرانية لا تنذر فقط بإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، بل تكشف أيضا عن ميل خطير نحو تعميم منطق الحرب والفوضى بوصفه آلية لتأجيل أفول النظام الإمبريالي الغربي، بما يحمله ذلك من مخاطر انزلاق العالم نحو صراعات مدمرة كبرى ذات طابع عالمي. ( يتبع في الجزء الرابع).

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك