تشدد التونسيين المنتمين لتنظيم داعش..دراسة في أسباب الغلو والتكفير

تشدد التونسيين المنتمين لتنظيم داعش..دراسة في أسباب الغلو والتكفير
مقالات رأي / الأحد 01 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:عبد الفتاح الحيداوي

1 المقدمة

شهدت تونس، بعد ثورة 2011، تصاعدا ملحوظا في أعداد مواطنيها الذين انضموا إلى الجماعات الجهادية في مناطق الصراع، وخاصة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. ما يميز هذه الظاهرة هو الملاحظة المتكررة من قبل العديد من الباحثين والمقاتلين السابقين بأن التونسيين داخل داعش كانوا غالبا الأكثر تطرفا وغلوا في التكفير مقارنة بالمقاتلين الأجانب الآخرين .

2 ظاهرة الحزيمية وتأثيرها على تشدد التونسيين

برز تيار )الحزيمية( كعامل محوري في تفسير الغلو الأيديولوجي لبعض التونسيين داخل تنظيم داعش. ينسب هذا التيار إلى الشيخ السعودي أحمد بن عمر الحازمي، الذي لم يكن عضوا في داعش، لكن أفكاره تبناها بعض أعضاء التنظيم . جوهر فكر الحازمية يدور حول مفهوم )تكفير العاذر(، أي تكفير من يعذر بالجهل في مسائل الشرك، أو من يتوقف عن تكفير من يقع في الشرك. هذا المفهوم يؤدي إلى سلسلة لا نهائية من التكفير، حيث يصبح تكفير الآخرين واجبا، ومن لا يكفر فهو كافر أيضا .

وقد وجدت أفكار الحازمي طريقها إلى تونس بعد الثورة، حيث ألقى أربع سلاسل من المحاضرات بين ديسمبر 2011 ومايو 2012، بالتنسيق مع لجان مساجد وجمعيات إسلامية محلية، أبرزها لجنة مساجد الحي الأخضر والجمعية الإسلامية الصالحة في تونس، وبدعم من شخصيات مثل أبو مهند التونسي، أحد كبار رجال الدين في جماعة أنصار الشريعة في تونس . كما ساهم الحازمي في تأسيس معهد ابن أبي زيد القيرواني للعلوم الشرعية في مارس 2012، والذي كان يدرس منهجا يتبنى آراءه العقائدية .

انتقلت هذه الأفكار المتطرفة مع المقاتلين التونسيين إلى سوريا، حيث أصبحوا ينظر إليهم على أنهم الأكثر تطرفا. وقد تجلى هذا التطرف في حوادث بارزة، مثل تسريب تسجيلات صوتية في مارس 2014 لأبي محمد التونسي وأبي مصعب التونسي، وهما مسؤولان شرعيان في داعش، يكفران فيها حركة طالبان وأسامة بن لادن، بل وحتى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ويزعمان أن داعش وحده هو )الطائفة المنصورة( . هذا الغلو في التكفير أثار قلق القيادات العليا في تنظيم داعش نفسه، مما أدى إلى رد فعل عنيف تمثل في اعتقالات وإعدامات لقيادات حزيمية تونسية، مثل الخطاب وأبو مصعب التونسي وأبو صهيب التونسي في أغسطس وسبتمبر 2014 . ورغم هذه الحملة، استمرت بقايا هذا التيار في الظهور داخل التنظيم حتى خريف 2019، مع شخصيات مثل أبو حذيفة التونسي وأبو ذر التونسي .

3 العوامل البنيوية والتاريخية لبروز التطرف في تونس

لا يمكن مقاربة ظاهرة تشدد التونسيين داخل تنظيم داعش باعتبارها انحرافا فرديا أو مجرد نتيجة للدعاية الجهادية العابرة للحدود، بل ينبغي فهمها في إطار سيرورة تاريخية واجتماعية وسياسية معقدة تفاعلت فيها بنى الدولة، ومسارات التحديث القسري، وتحولات ما بعد الثورة، مع أزمات الهوية والتنمية. فقد تشكلت البيئة التي سمحت بانتشار الخطاب المتطرف عبر تراكمات طويلة سبقت 2011، ثم تسارعت وتكثفت في سياق الانتقال السياسي الهش.

منذ مرحلة بناء الدولة الوطنية في عهد الحبيب بورقيبة، تم تبني نموذج تحديثي قائم على علمنة المجال العام وإعادة تشكيل العلاقة بين الدين والدولة وفق رؤية مركزية ترى في المؤسسة الدينية التقليدية عائقا أمام مشروع الحداثة. وقد ترجم ذلك في تقليص دور جامع الزيتونة، وإخضاع الحقل الديني لإشراف الدولة، وإعادة هندسة التعليم الديني بما يجعله تابعا للسلطة السياسية. واستمر هذا المسار في عهد زين العابدين بن علي، لكن مع بعد أمني أوضح، حيث جرى التعامل مع الحركات الإسلامية وخاصة ذات الطابع السياسي  باعتبارها تهديدا وجوديا. هذا التجفيف المزدوج، المعرفي والأمني، لم يؤد إلى علمنة المجتمع بقدر ما خلق فجوة بين التدين الشعبي التقليدي وبين الدولة، وترك فراغا معرفيا لدى فئات من الشباب لم تجد في المؤسسة الرسمية مرجعية مقنعة، ولا في الخطاب الحداثي إجابة عن أسئلتها الوجودية.

عندما اندلعت الثورة في 2011 وسقط النظام، انتقلت البلاد فجأة من فضاء مضبوط أمنيا إلى فضاء مفتوح بلا ضوابط مؤسسية راسخة. هذا الانتقال السريع لم يصاحبه بناء فوري لمؤسسات دينية قادرة على تأطير المجال العام أو استيعاب موجة التدين الجديدة. في هذا السياق، برزت جماعات سلفية دعوية وجهادية استثمرت الحرية الناشئة لنشر خطابها في المساجد والأحياء المهمشة والفضاء الرقمي. ضعف الدولة في إعادة تنظيم الحقل الديني، وترددها في الحسم بين منطق الحرية ومنطق الضبط، أتاح المجال لخطابات أكثر راديكالية أن تقدم نفسها باعتبارها التعبير الأصيل عن الدين، في مقابل ما اعتبرته تمييعا رسميا أو توظيفا سياسيا.

تزامن ذلك مع أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، خاصة في المناطق الداخلية التي كانت شرارة الاحتجاج قد انطلقت منها مثل سيدي بوزيد والقصرين. هذه المناطق عانت طويلا من التهميش التنموي، وارتفاع البطالة، وضعف البنية التحتية، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة. بالنسبة إلى بعض الشباب، لم يكن الانخراط في التنظيمات الجهادية مجرد خيار أيديولوجي، بل كان أيضا فعل احتجاج رمزي ضد واقع مسدود، وبحثا عن معنى وانتماء وقيمة ذاتية في سياق يشعرون فيه بالإقصاء. الخطاب الجهادي قدم لهم سردية واضحة: عالم منقسم بين حق وباطل، وعدالة موعودة، وأخوة عابرة للحدود، ومكانة بطولية تعوض الإحساس بالتهميش.

كما لعب الاستقطاب الهوياتي بعد الثورة دورا مضاعفا في دفع بعض الفئات نحو التشدد. فقد دخلت تونس في جدل حاد حول موقع الدين في الدستور، وحدود الحريات الفردية، وطبيعة الدولة المدنية. في هذا المناخ المشحون، جرى أحيانا تصوير التدين ذاته كمرادف للرجعية أو التهديد، مقابل تصوير العلمانية كخصم للدين. هذا الخطاب المتبادل غذى شعورا لدى بعض الشباب بأن هويتهم الدينية مستهدفة أو مهمشة، ما دفعهم إلى البحث عن صيغ أكثر صلابة وحدية للتعبير عنها. التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم داعش، وفرت إطارا هوياتيا صارما يختزل التعقيد السياسي والاجتماعي في ثنائيات قطعية، ويمنح أتباعه إحساسا بالتفوق الأخلاقي واليقين المطلق.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال أثر الشبكات العابرة للحدود بعد اندلاع الحرب في سوريا والعراق. فقد مثل صعود تنظيم الدولة الإسلامية لحظة جذب قوية لشباب يبحث عن مشروع (دولة)يتجاوز حدود الدولة الوطنية التي خيبت آماله. الدعاية الاحترافية، وسردية الخلافة، وصور التمكين السريع، كلها عناصر ساهمت في تحويل النزعة الاحتجاجية المحلية إلى انخراط فعلي في مشروع جهادي عالمي.

بهذا المعنى، فإن تشدد بعض التونسيين داخل داعش لم يكن وليد عامل واحد، بل نتيجة تفاعل مركب بين سياسات دولة حداثية ذات نزعة إقصائية في المجال الديني، وانتقال سياسي هش أفرز فراغا مؤسسيا، وأزمة تنموية مزمنة غذّت الإحباط، واستقطاب هوياتي حاد أعاد تعريف الانتماء في صيغة صراعية. إن فهم الظاهرة يقتضي النظر إليها كبنية من المعاني والفرص والسياقات، لا كميل فردي معزول، وهو ما يفتح المجال لمقاربات معالجة تتجاوز الأمني الصرف إلى إصلاح الحقل الديني، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وبناء سردية وطنية جامعة تستوعب التعدد دون أن تدفع أطرافه إلى الهامش أو إلى التطرف.

4 مقارنة تشدد التونسيين مع جنسيات أخرى 

شكل الحضور التونسي داخل تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف إعلاميا بـ(داعش)، ظاهرة لافتة في مسار الحركات الجهادية المعاصرة، سواء من حيث الحجم العددي أو من حيث طبيعة التموقع داخل البنية الشرعية والفكرية للتنظيم. فخلال سنوات الذروة بين 2014 و2017، برزت الكتلة التونسية ليس فقط في الميدان القتالي داخل سوريا والعراق، بل كذلك في دوائر القضاء الشرعي والحسبة والجدل العقدي الداخلي، وهو ما منحها وزنا نوعيا تجاوز بعدها العددي. وقد تركز هذا الحضور خصوصا في النقاشات المتعلقة بمسائل التكفير وضبط شروطه وموانعه، وهي نقاشات شكلت أحد أخطر محاور الانقسام داخل التنظيم ذاته.

داخل هذا السياق، انخرط عدد من الشرعيين التونسيين في الجدل المتعلق بمفهوم (العذر بالجهل) وحدود تكفير من لم يكفر من اعتبر كافرا، وهو الجدل الذي تطور إلى ما عرف بأزمة (الغلاة) داخل التنظيم. وقد وجد بعض هؤلاء في الطرح المنسوب إلى أحمد الحازمي مرجعية فكرية تؤسس لتوسيع دائرة التكفير، بحيث لا يتوقف الحكم عند الفعل أو القول المكفر، بل يمتد إلى من يتردد في إصدار الحكم ذاته. هذا المنطق، الذي عرف في الأوساط الجهادية بـ(التكفير المتسلسل)، أسهم في خلق دوائر اتهام داخلية وصلت في بعض الحالات إلى التشكيك في شرعية قضاة وقيادات في التنظيم نفسه. ومع محاولة القيادة المركزية، بقيادة أبو بكر البغدادي، احتواء هذه الموجة والحد من تمددها، دخلت العناصر الأكثر تشددا في صدامات فكرية وأمنية مع الجهاز الشرعي المركزي، وانتهى الأمر باعتقالات وتفكيك تكتلات داخلية.

لفهم هذا التموقع لا بد من استحضار السياق التونسي ما بعد 2011. فقد أدى انهيار القبضة الأمنية التي ميزت حقبتي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي إلى انفجار في المجال الديني غير المؤطر، بعد عقود من سياسات التضييق على التعليم الديني التقليدي. ومع غياب مؤسسات تأطير قوية قادرة على استيعاب الحماس الديني المتصاعد، برزت خطابات سلفية جهادية ذات نزعة نصية صارمة، تتعامل مع النصوص الدينية بمعزل عن تراث فقهي تراكمي يضبط آليات الفهم والتنزيل. في هذا المناخ تشكلت بيئات تعبئة فكرية، من بينها أنصار الشريعة في تونس، التي أسست لثنائية حادة بين الإيمان والكفر ورفض الدولة الوطنية، وهي ثنائية سهلت لاحقا تقبل أطروحات أكثر تشددا في ساحات الصراع السورية.

كما أن مسار الانتقال السريع من تدين عام إلى التزام جهادي صلب لدى عدد من الشباب التونسيين عزز الميل إلى المواقف القطعية والبحث عن يقين عقدي غير قابل للمساومة. هذا التحول السريع، غير المسبوق بتكوين شرعي عميق، جعل بعضهم أكثر قابلية لتبني صيغ مغلقة في تعريف الإيمان والكفر، وأقل استعدادا لقبول مناطق رمادية أو اجتهادات مختلفة. لذلك لم يكن الحضور التونسي مميزا من حيث العنف الميداني بقدر ما كان لافتا من حيث مركزية الانخراط في النزاعات العقدية الداخلية، مقارنة بجنسيات أخرى برزت أكثر في الأدوار العسكرية أو الأمنية.

ولم تقتصر الظاهرة على الرجال؛ إذ عرفت تونس أيضا نسبة مرتفعة من النساء اللواتي التحقن بمناطق سيطرة التنظيم في سوريا والعراق. وقد شاركت بعض التونسيات في جهاز الحسبة النسائي، المعروف باسم كتيبة الخنساء، حيث تولين مهام مراقبة الالتزام باللباس والسلوك العام داخل المجال النسائي. وإلى جانب الدور الرقابي، انخرطت بعضهن في نشر خطاب عقدي متشدد داخل دوائر مغلقة، سواء ميدانيا أو عبر الفضاء الرقمي، مع تبني تصورات تعتبر المجتمع التونسي خارج إطار (الشرعية الإسلامية) بسبب منظومته القانونية والسياسية. تعكس هذه المواقف امتداد المنطق التكفيري ذاته إلى المجال الاجتماعي، بحيث لا يقتصر على الخصوم المسلحين بل يشمل البيئة الأصلية نفسها.

دوافع هذا الانخراط النسائي والرجالي تتقاطع عند البحث عن هوية بديلة في سياق انتقالي مضطرب، وعن نموذج يتصور بوصفه نقيضا جذريا للدولة الوطنية التي عدت فاسدة أو فاقدة للمرجعية الدينية. كما لعبت عوامل الارتباط الزوجي، والرومانسية الثورية، وإغراء (اليوتوبيا الطهرانية) دورا في تغذية قرار الهجرة نحو مناطق النزاع. غير أن التجربة الميدانية كشفت سريعا عن تناقضات داخلية حادة، كان من أبرزها الصراع حول تعريف الانتماء العقدي ذاته.

إن وصف التونسيين بأنهم (الأكثر تشددًا) داخل التنظيم ينبغي فهمه بوصفه توصيفا يتعلق بموقعهم في الجدل العقدي أكثر من كونه حكما على مستوى العنف. فقد تمثلت خصوصيتهم في تماسكهم حول طرح فكري محدد، وميلهم إلى الحسم في مسائل الإيمان والكفر، ومشاركتهم المكثفة في النزاعات النظرية التي هزت البنية الداخلية للتنظيم. وتكشف هذه الحالة أن التطرف لا يختزل في العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية، بل قد يرتبط ببنية معرفية تبحث عن يقين مطلق في سياق فراغ مؤسسي واضطراب هوياتي. كما تظهر أن الحركات الراديكالية نفسها ليست كيانات متجانسة، بل ساحات صراع داخلي يمكن أن يبلغ حد تكفير بعض أجنحتها لبعضها الآخر.

في المحصلة، تعكس التجربة التونسية داخل داعش تفاعلا مركبا بين تحولات ما بعد الثورة والسياق الجهادي العابر للحدود، حيث انتقل الجدل العقدي المحلي إلى فضاء عالمي مسلح، وأسهم في تعميق أزمات داخل تنظيم يفترض أنه من أكثر التنظيمات تشددا في التاريخ المعاصر. ومن ثم، فإن فهم هذه الظاهرة يقتضي مقاربة سوسيولوجية وفكرية تتجاوز التفسير الأمني المباشر، وتفكك ديناميات الهوية، وأنماط التدين النصي، وآليات إنتاج اليقين المغلق داخل الحركات الراديكالية المعاصرة.

5 الروابط العائلية كمدخل رئيسي في مسارات تجنيد النساء لحالة المغربية في مقارنة مع التجربة التونسية

تظهر دراسة مسارات انخراط النساء المغاربيات في التنظيمات الجهادية المعاصرة، وخاصة في سياق تنظيم الدولة الإسلامية، أن العوامل الأيديولوجية لا تتحرك في فراغ اجتماعي، بل تتغذى من وسائط حاسمة تتصدرها الروابط العائلية. غير أن طبيعة اشتغال هذه الروابط تختلف باختلاف السياقين المغربي والتونسي، بما يعكس تباينا في البنية الاجتماعية وفي شكل المجال الديني والسياسي الذي احتضن تلك المسارات.

في الحالة المغربية، تكاد الأسرة تمثل البنية الوسيطة المركزية التي تمر عبرها عملية التحول من التعاطف إلى الانخراط الفعلي. فالمعطيات القضائية وتقارير المتابعة تكشف أن مسار التطرف يبدأ في الغالب من الرجل، سواء كان زوجا أو أخا أو قريبا، يتبنى خطابا متشددا أو ينخرط في شبكة استقطاب مغلقة، قبل أن تنتقل القناعات داخل البيت عبر الإقناع التدريجي أو التأثير الرمزي أو إعادة تشكيل المرجعية الدينية للأسرة. بهذا المعنى، لا يظهر التطرف النسوي المغربي  في أغلب الحالات  كخيار فردي مستقل، بل كامتداد لمسار عائلي يتخذ طابعا تراكميا، حيث تتحول الأسرة إلى فضاء لإعادة إنتاج القناعات وتطبيع الخطاب وتحييد أي اعتراض داخلي محتمل. وتعزز الثقافة الاجتماعية المغربية، التي تمنح للأسرة دورا حاسما في اتخاذ القرار، من قابلية انتقال القناعات داخل الدائرة العائلية، خاصة عندما يقترن ذلك بخطاب ديني يمنح الطاعة الزوجية أو العائلية مشروعية معيارية.

في المقابل، ورغم حضور العامل الأسري في بعض الحالات التونسية، فإن التجربة المرتبطة بصعود أنصار الشريعة ثم التحاق عدد من التونسيات لاحقا بصفوف تنظيم الدولة الإسلامية تكشف نمطا أكثر تعقيدا من حيث دينامية التجنيد. فقد أتاح السياق الذي أعقب 2011 فضاء عاما مفتوحا نسبيا، شهد نشاطا دعويا مكثفا خارج الأطر المؤسسية، وظهور شبكات تعبئة داخل المساجد والجامعات والأحياء. في هذا المناخ، برزت حالات تجنيد نسوية مستقلة نسبيا عن العائلة، كما ظهرت ناشطات متشددات لعبن أدوارا تعبئة وتأطير داخل دوائر نسوية مغلقة. وارتبط ذلك بفراغ ديني مؤقت، وضعف التأطير المؤسسي في مرحلة انتقالية، ما أتاح هامش حركة أوسع للفاعلات المتشددات مقارنة بنظيراتهن في المغرب. كما أن بعض الحالات التونسية أظهرت مستوى مرتفعا من التشدد العقدي، خاصة في قضايا التكفير والهجرة والولاء والبراء، بما يعكس مبادرة ذاتية في تبني الخطاب لا مجرد استتباع لمسار عائلي.

تبرز المقارنة بين السياقين فروقا بنيوية واضحة. ففي المغرب، يمثل الرابط الأسري المدخل الأرجح للتجنيد، وتبقى درجة الاستقلالية النسوية محدودة نسبيا، إذ غالبا ما تتشكل القناعة داخل فضاء عائلي مغلق. أما في تونس، فتلعب الشبكات الدعوية والفضاء العام دورا أكثر حضورا، مع درجة أعلى من المبادرة الفردية لدى بعض النساء، وأحيانا مساهمة مباشرة في الاستقطاب والتعبئة. غير أن هذا التباين لا يعني انعدام الحالات المستقلة في المغرب، ولا غياب التأثير الأسري في تونس، بل يشير إلى اختلاف الوزن النسبي لكل عامل داخل كل سياق.

تحليليا، تفرض الحالة المغربية إدماج البنية العائلية ضمن أي مقاربة لفهم التطرف النسوي، إذ يصعب تفكيك المسار دون تحليل ديناميات السلطة الرمزية داخل الأسرة وآليات انتقال القناعة بين أفرادها.  

أما في الحالة التونسية، فإن التركيز على الفضاءات الدعوية غير الرسمية، والشبكات الاجتماعية المفتوحة، ودور الفاعلات النسويات المتشددات، يكتسب أهمية أكبر لفهم منطق المبادرة والتأثير. وعلى المستوى المقارن، تؤكد التجربتان أن تطرف النساء لا يمكن اختزاله في فرضية التبعية العاطفية أو الهشاشة الفردية، بل ينبغي فهمه ضمن شبكات اجتماعية وسياسية وثقافية تتفاعل فيها البنية الأسرية مع المجال العام، ويتحدد أثر كل منهما بحسب طبيعة السياق الوطني.

تكشف هذه المقارنة، في المحصلة، أن الروابط العائلية تمثل في الحالة المغربية مدخلا حاسما في كثير من مسارات الانخراط النسوي، حيث يبدأ المسار غالبا من الرجل لينتقل إلى المرأة داخل دينامية أسرية مغلقة، بينما أتاح السياق الانتقالي التونسي مساحة أوسع لمبادرات نسوية أكثر استقلالا وأحيانا أكثر تشددا. وهذا يظهر حين نتابع الجدال الدائر في المخيمات سواء الهول او الروج نجد ان السيطرة للتونسيات اما المغربيات فيعرفن بالهدوء والانكماش على الذات حتى ابان ازدهار الخلافة كانت التونسيات يسيطرن على مراكز الحسبة على النساء الاخريات  هنا تظهر الاستقلالية التي يتمتعن بها التونسيات. ومن ثم، فإن أي دراسة مستقبلية حول النساء المغاربيات في الحركات الجهادية مطالبة بدمج التحليل الأسري ضمن مقاربة بنيوية أشمل، تأخذ في الاعتبار أثر التحولات السياسية، وبنية المجال الديني، وطبيعة الفضاءات الدعوية في إعادة تشكيل أدوار النساء داخل هذه التنظيمات.

و ختاما تظهر هذه الدراسة أن تشدد التونسيين المنتمين لتنظيم داعش، وغلوهم في التكفير، هو نتاج لتفاعل معقد بين عوامل أيديولوجية (مثل تيار الحزيمية) وعوامل بنيوية وتاريخية (مثل سياسات التجفيف الديني، والفراغ الأيديولوجي بعد الثورة، والتهميش الاقتصادي، والاستقطاب الهوياتي). لقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تهيئة بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة واستقطاب الشباب، وحتى النساء، نحو تنظيم داعش، حيث وجدوا في أيديولوجيته المتطرفة ملاذا للتعبير عن إحباطاتهم وتطلعاتهم.

لم يكن تشدد التونسيين مجرد ظاهرة فردية، بل كان تيارا جماعيا داخل داعش، أثر بشكل كبير على ديناميكيات التنظيم الداخلية، وأدى إلى صدامات مع قياداته بسبب الغلو في التكفير. 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك