بقلم:محمد حقيقي/نائب رئيس الرابطة العالمية للحقوق والحريات وممثلها في المغرب وعضو سكرتارية تنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الإنتقالية
تتمثل أبرز قضية عرت عن تعثر مسار العدالة الإنتقالية في المغرب في استمرار الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بعد إنهاء"هيئة الإنصاف والمصالحة" أشغالها في شهر نونبر 2005، وتقديم تقريرها النهائي في دجنبر من نفس السنة. حيث أكدت الجمعيات الحقوقية الوطنية والدولية وكذلك الهيئات الأممية ذات العلاقة حصول هذه الانتهاكات في حق المعتقلين على ذمة "قضايا الإرهاب".
وهكذا عاد المغرب إلى التورط في إنتاج "ضحايا العهد الجديد" فيما كان بصدد معالجة ماضي الإنتهاكات في مرحلة"سنوات الرصاص" من خلال إفراغ السجون من كل المعتقلين السياسيين يساريين وإسلاميين وجبر أضرارهم، ومعها عادت الأسئلة الحارقة إلى دائرة الإهتمام كما عادت من جديد هيمنة المقاربة الأمنية وتحكمها في المشهد..
فمن المسؤول عن هذه الإنتهاكات الممنهجة؟
وكيف يمكن تفعيل مبدأ عدم الإفلات من العقاب؟
وكيف يمكن تجاوز هذا التناقض وصولا إلى إنصاف الضحايا الجدد، وتقويم مسار العدالة الإنتقالية في بلادنا؟
وبما أن الإرادة السياسية لدى السلطات غير متوفرة حاليا فلا يمكن تحديد المسؤوليات فيما جرى من انتهاكات وترتيب العقاب على الجهة المسؤولة أو الأشخاص المسؤولين، وإفراغ السجون من المعتقلين السياسيين..إذ سيكون ذلك ضرب من الخيال الغارق في الوهم...لكن ومع ذلك تبقى مسألة تمتيع ضحايا الإنتهاكات المفرج عنهم بحقوقهم في الإدماج الإجتماعي والتأهيل الصحي والتسوية الإدارية والمالية لمن كان منهم موظفا أمرا ملحا ذو أولوية لا سيما إذا أدركنا سوء وهشاشة ظروفهم الإجتماعية..أمراض خطيرة مزمنة وبطالة وسكن غير لائق على عتبة التشرد..
لقد تابعت الجمعيات الحقوقية قضية المعتقلين الإسلاميين منذ 2003 ، غير أن الجهات الرسمية المعنية لم تتفاعل بالمسؤولية المطلوبة مع نداءات هذه الجمعيات ومبادراتها الرامية إلى إطلاق سراح المعتقلين الذين تعرضوا لانتهاكات جسيمة ولم تتوفر لهم شروط محاكمة عادلة..كما أن الفرق الأممية سواء الخاصة بمناهضة التعذيب أو بالإعتقال التعسفي..سبق لها أصدرت ما يناهر خمسون توصية تقضي بإطلاق سراح المعنيين وجبر أضرارهم بشكل كافي..وعلى العكس من المنتظر، استمر الإعتقال بل زادت الممارسات قساوة داخل السجون بالرغم من تنفيذ سلسلة من الإضرابات عن الطعام مطالبة بتحسين ظروف الإقامة والمعاملة داخل السجون.
استمر الوضع على هذا النحو من التعنت وصم الآذان حتى انهى عدد من هؤلاء المعتقلين مدة حكمهم بعد مرور حوالي 20 سنة في الأقصى، فشرعوا في كسر الصمت المحيط بمعاناتهم المزدوجة..وبعد خروجهم من السجن الصغير إلى السجن الكبير تواصلوا مع الإعلام أو من خلال إمكانياتهم الخاصة قدموا شهادات حول اختطافهم واعتقالهم في مراكز سرية على رأسها "سجن تمارة" كما فضحوا التعذيب الذي طالهم وكشفوا عن آثاره على أجسادهم ونفسياتهم..
وبالنظر إلى ظروفهم الإجتماعية المزرية بعد مغادرتهم السجن من وصم اجتماعي وبطالة وغياب السكن اللائق، إضافة إلى حالتهم الصحية المؤلمة قرروا المطالبة بحقوقهم في الإدماج الإجتماعي والتأهيل الصحي..فقد كانوا فقط يبحثون عن فرص في العيش الكريم، واستدراك ما فاتهم.. لكن عوض احتضانهم والإعتذار لهم والإستجابة لمطالبهم المشروعة تم الإلتفاف على حقهم مع الزج بهم في متاهات "الرعاية اللاحقة"..
لذلك كان من الضروري البحث عن مداخل لإنصاف المعتقلين الإسلاميين في "قضايا الإرهاب" بصفة عامة وذلك من خلال الإستمرار في المطالبة بإطلاق سراحهم ومراسلة الهيئات الأممية المعنية لإثبات استمرار الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في حقهم..، والطالبة بالموازاة بجبر أضرارهم، على اعتبار أن "المصالحة" تتحقق عمليا من خلال إطلاق سراح ضحايا الإنتهاكات وجبر ضررهم تباعا.
وإذا كنا نشتغل على القسم الأول من المعادلة الخاص بمطلب إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين، فينبغي الإهتمام بالقسم الثاني والمتعلق بالإنصاف وجبر الضرر ، ولذلك ومن أجل الإضطلاع بهذا القسم كانت المبادرات التالية:
ـ إنشاء "التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين" بتاريخ 25 شتنبر 2023، حيث طالب مؤسسوها، بجبر أضرارهم المادية والمعنوية، وإدماجهم في سوق الشغل وتمتيعهم بحقهم في السكن اللائق، وضمان التطبيب للحالات التي ترتب عليها أمراض عضوية وأزمات نفسية جراء الإعتقال..
ـ عقد ندوة حول "الإعتقال السياسي بالمغرب: بين رد الاعتبار ورهان طي صفحة الإعتقال التعسفي” بتاريخ 26 أكتوبر 2024 بمقر الحزب الإشتراكي الموحد بتمارة.
خرجت هذه الندوة بمجموعة من التوصيات ابرزها تنظيم مناظرة وطنية حول العدالة الإنتقالية..
ـ إنشاء " تنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الإنتقالية" في 23 نونبر 2024.
وتضم التنسيقية تمثيلية من الهيئات السياسية والفعاليات الحقوقية، بالإضافة إلى مجموعات المعتقلين المفرج عنهم.
وتهدف التنسيقية إلى تعزيز الالتزام بالقيم والمبادئ التي تحترم الكرامة وتدعم حقوق المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي ومعتقلي الحراكات الاجتماعية المفرج عنهم، ومنع تكرار الإنتهاكات..
ـ الدعوة إلى تكوين "جبهة موحدة لمناهضة الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب" مكونة من الفاعلين السياسيين والإجتماعيين والأكاديميين وجمعيات المجتمع المدني وضحايا الإنتهاكات..
ـ تنظيم ندوة تحت عنوان "تعذيب المعتقلين الإسلاميين السابقين ومشاكل عدم إدماجهم داخل المجتمع" بشراكة ما بين "التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين" و "تنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الإنتقالية" بمقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتاريخ فاتح اكتوبر 2025.
ـ تنظيم ندوة في موضوع "العدالة الإنتقالية بالمغرب" بشراكة ما بين "التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين" و "اللجان العمالية المغربية" بمقر دار
المحامي بالدار البيضاء بتاريخ 13 نونبر 2025.
ومهما يكن فإن الحديث حول موضوع معاناة المعتقلين الإسلاميين السابقين يبقى حديثا تجريديا فاقدا للحقيقة والإحساس حتى تتم المعاينة والوقوف على الحالات عن قرب..
وفي هذا الإطار قمت بالأمس رفقة اعضاء من المكتب التنفيذي للتنسيقية المغربية بزيارة لبعض أمهات المعتقلين السابقين في قضايا الإرهاب بالدار البيضاء، في محاولة متواضعة لرد إعتبارهن، والتفاتة إنسانية منا، ومن أجل كذلك استحضار أيام النضال والوقفات التي كانت الأمهات تحضرها تفاعلا مع دعوة "تنسيقية الحقيقة للدفاع عن معتقلي الرأي والعقيدة" حينما كان أبناؤهن وراء القضبان.
فاكتشفت مرارة أن يعيش الإنسان الإنتهاك بشكل مستمر سواء عند اختطافه واعتقاله تعسفيا وتعذيبه..سابقا و استمرار هذه المحنة حتى بعد خروجه من السجن حيث المرض والبطالة والسكن غير اللائق..
أول ما تصل إلى المنطقة يرحل بك الزمن إلى عصر غابر من عصور القرون الوسطى حيث يختلط الجو الكئيب داخل ما يسمى تجاوزا سكن بروائح الرطوبة المنبعثة من أكوام القمامة والأوحال المنتشرة في كل ركن..وقد هالني مستوى وطبيعة عيش هؤلاء، إنهم يعيشون في وضعية أقل ما يقال عنها أنها تمس بكرامة الإنسان..يحاولون بصبرهم ودفء عواطفهم أن يزينوا المكان بنظامهم المتاح وبرائحة العطور ومواد التطهير..ما يكشف جمال أرواحهم وطيبة طويتهم وبساطة مطالبهم..تجتمع في مكان واحد كل الأتافي مرض المعتقل السابق بورم سرطاني أو مصاب بكسر في رجله خلف له عاهة مستديمة ناهيك عن ضعف النظر وإصابة الشبكية إضافة إلى البطالة وقلة ذات اليد والإقامة في سكن على الهامش غير لائق ورغم ذلك يستقبلنا هذا الضحية بود وتفاءل..
وتزداد غرابتي حين أجدني أمام معادلة متناقضة بين إهتمام المسؤولين في بلادنا بتنمية الواجهة التي قد ترهن مستقبلنا بالديون وبالخارج وفقدان السيادة في مقابل إسقاط اعتبار الإنسان كمواطن من حيث تنميته وتمتيعه بكل حقوقه السياسية والإقتصادية والإجتماعية، إلا إذا كان الأمر يتعلق بمخطط يرمي إلى تهميش هذه الطبقة الإجتماعية وصولا إلى القضاء عليها..وكتم أنفاسها داخل وسط تنعدم فيه شروط العيش الكريم من حيث ظروف السكن اللائق، والبطالة، وانتشار الأمراض، وغياب التعليم الجيد..فقد تكون مقاربة السلطات ترى أن الكرامة مكلفة حيث تعطي للمواطن الحرية في الإختيار وتمنحه القدرة على التقييم..بينما سياسة التفقير والتهميش أقل كلفة إذ لا تتطلب سوى تنفيذ املاءات التجويع وضرب القدرة الشرائية وقهر المواطن حتى يصير ناضجا للخضوع والتبعية على ايقاع "جوع كلبك يتبعك"...
إن وجود مواطن على هذه الشاكلة وبهذه الملامح في مغرب القرن 21 لهو إدانة صريحة للحاكمين وفضح لفسادهم وتعرية لأنانيتهم، و صدق من قال "ما رأيت نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيع"..
إن الكثير من المعتقلين الإسلاميين السابقين في "قضايا الإرهاب" ينتمون إلى هذه الطبقة المحاربة في قوتها اليومي والمحرومة من حقوقها السياسية والإجتماعية، وقد أنهوا مدة عقوبتهم بعد مرور حوالي 20 سنة من الإعتقال التعسفي والإختطاف والإختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة داخل السجون..وعندما لفظتهم السجون وجدوا أنفسهم يحملون عاهات دائمة ويعانون من أمراض مزمنة تحتاج إلى تدخل عاجل مثل إصابة بعضهم بورم سرطاني في رأسه أو في السرج وأمراض نفسية تحتاج إلى المصاحبة، زيادة على الأمراض مزمنة أخرى من قبيل أمراض المعدة والقلب والبصر والسكري وغيره.
كما وجدوا أنفسهم بدون مورد رزق، ومنهم من اصبح معيلا لأسرة..ومنهم من يعاني من غياب السكن اللائق أو هو متشرد مع وقف التنفيذ..ومما يزيد من قتامة المشهد الوصم الإجتماعي واعتماد المقاربة الأمنية في التعامل معهم..
هذا النزيف للحقوق من دون شك انطلق خلال اعتقال هؤلاء حيث مورست عليهم انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان..وتعرضوا طيلة فترة اعتقالهم لمعاملات قاسية وماسة بالكرامة كان آخرها " النموذج الأمريكي" سيء الذكر ..وعندما انهوا مدة اعتقالهم حرموا من حقوقهم في الإدماج..أو تعرضوا لتلاعت برامج "الرعاية اللاحقة"...
لقد ظلم هؤلاء الضحايا مرتين.. وحان الوقت لإنصافهم ورد الإعتبار إليهم ولأسرهم، ولا مهرب من ذلك.
نعم نحن في حاجة إلى الوفاء بمخرجات هيئة الإنصاف والمصالحة و في مقدمتها وضع ضمانات لمنع تكرار ما جرى خلال سنوات الرصاص من انتهاكات جسيمة.. ولن ننتظر حتى تحصل لدى الدولة الإرادة السياسية بينما تهرب إلى الأمام وتقوم بتسويق نموذج المصالحة في المغرب على أنه نموذج رائد في هذا المجال..
لن ننتظر الظرفية السياسية المواتية للمطالبة بجبر الضرر، والضحايا يوميا يستنزفون أويتعايشون مع واقعهم الأليم، إما بفعل الوعد الواهم كالسراب أو الوعيد الأمني.. فقد أصبحت للدولة أولويات نيوليبيرالية وأكيد أن المواطن وكل الأبعاد الإجتماعية غير واردة ضمن رؤيتها..
كما لا ينبغي أن نترك ضحايا الإنتهاكات الجسيمة لوحدهم يعانون في صمت أو يقاومون حفاظا على كرامتهم..فهم ضحايا والضحية يحتاج إلى المصاحبة والتوجيه والحماية، لذلك على كل الشرفاء الإنخراط إلى جانبهم لرفع هذا الحيف عنهم، وهذا من صميم الواجب ف"ليس بإنسان من يرى أخاه يتعرض للظلم.. ولا يحتج"..
نعم انتشرت الفوضى المقصودة وتغولت السلطة، وقد بلغني أن بعض المعتقلين السابقين في "قضايا الإرهاب" ساءت حالاتهم النفسية إلى الحد الذي دفع أحدهم خلال الأسبوع الماضي إلى الإحتجاج أمام مقر الرعاية اللاحقة بالدار البيضاء حيث صب على نفسه البنزين، حينما وصل إلى الباب المسدود، ومن لطف الأقدار أن القداحة حصل بها عطب فمنعه بعض المواطنين من تنفيذ عملية "هاراكيري"، وضحية آخر بمدينة أكادير هدد هو الآخر بشنق نفسه على عمود الكهرباء الموجود قريبا من مقر الرعاية اللاحقة.. فإلى متى يستمر هذا النزيف؟ إلى متى؟...
من خلال زيارتي القصيرة لأمهات بعض المعتقلين الإسلاميين السابقين وقفت على كمية المعاناة التي ما يزال يكابدها هؤلاء المعتقلون السابقون وغيرهم رفقة اسرهم إنهم يتعرضون لإمتحان الكرامة بشكل يومي.
ولذلك فلا مندوحة من تكثيف النشاط داخل "تنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الإنتقالية" ومن تفعيل الورقة المقدمة حول إنشاء "جبهة موحدة لمناهضة الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان" في أفق الإعداد للمناظرة الوطنية حول العدالة الإنتقالية. وإتمام تدابير الإنصاف والمصالحة والمتمثلة في القطع مع الإنتهاكات الجسيمة من خلال إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين ومعتقلي الحراكات..وجبر أضرارهم..
وفي انتظار ذلك فلا أقل من التفاعل بجدية مع مطالب الضحايا المفرج عنهم الرامية إلى ضمان حقهم في التطبيب والسكن اللائق، وتمويل مشاريع مذرة للدخل وتسوية الوضعية المالية والإدارية للضحايا الموظفين..
تحية إكبار وصمود لكل أمهات المعتقلين سواء الذين خلف أسوار السجن الصغير أو السجن الكبير..
تحية عالية لكل ضحايا الإنتهاكات..
تحية لكل المناضلين المطالبين بمغرب لكل المغاربة، مغرب خال من أي انتهاك..
دمتم صامدين من أجل الحرية والكرامة
ومن سار على الدرب وصل..
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك