أنتلجنسيا:أبو آلاء
تتجه الأنظار إلى منطقة الشرق الأوسط مع دخول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من الترقب، في ظل قيود جوية مؤقتة أعلنها العراق بسبب نشاط عسكري، واستعدادات احترازية لمواجهة أي طارئ إشعاعي، إلى جانب استمرار التوتر في مضيق هرمز وصدور تصريحات أمريكية تترك الباب مفتوحاً أمام استئناف الضربات العسكرية ضد أهداف إيرانية.
وتتقاطع هذه التطورات مع تحركات دبلوماسية إيرانية باتجاه موسكو، وارتفاع المخاوف بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، غير أن المعطيات المتاحة لا تثبت صدور قرار أمريكي نهائي بشن هجوم واسع على المنشآت النووية الإيرانية، كما لا تؤكد أن الفترة الممتدة من 7 إلى 11 نونبر تشكل موعداً محدداً لتنفيذ عملية عسكرية.
وفي هذا السياق، فرض العراق تعديلات مؤقتة على حركة الملاحة الجوية داخل منطقة معلومات الطيران التابعة لبغداد، بموجب إشعار ملاحي يمتد من 7 إلى 11 نونبر الجاري، وينص على تطبيق إجراءات خاصة يومياً بين الساعة الخامسة والسادسة صباحاً وحتى الحادية عشرة صباحاً بالتوقيت العالمي.
وتشمل التدابير الجديدة تغيير مسارات عدد من الرحلات العابرة للأجواء العراقية، مع إلزام الطائرات المتجهة إلى مطارات أربيل والسليمانية وكركوك، وبعض الرحلات المغادرة من بغداد، باتباع مسارات محددة وتوجيهات إضافية من مراقبة الحركة الجوية، بسبب ما وصفه الإشعار بالنشاط العسكري.
ولا يعني هذا الإجراء إغلاق المجال الجوي العراقي بالكامل، أو تأكيد وجود هجوم وشيك على إيران، لكنه يعكس اتخاذ السلطات احتياطات تشغيلية في ظل الظروف الأمنية والعسكرية المحيطة بالمنطقة.
وفي تطور موازٍ، وضعت الهيئة الوطنية العراقية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية خططاً للتعامل مع احتمالات وقوع حادث نووي أو إشعاعي في المنطقة، بالتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأكد مسؤولون في الهيئة أن محطات الإنذار المبكر المنتشرة قرب الحدود مرتبطة بشبكات الرصد الدولية، وتتابع مستويات الإشعاع الطبيعي تحسباً لأي تغير غير اعتيادي، فيما أوضح رئيس الهيئة أن التأثير الإشعاعي المحتمل لأي ضربة تستهدف المنشآت الإيرانية قد يظل محدوداً على الأراضي العراقية، بالنظر إلى المسافة الجغرافية وطبيعة التضاريس واتجاهات الرياح.
وأشار المسؤول العراقي إلى أن بعض المنشآت النووية الإيرانية تقع داخل مناطق جبلية ذات تكوينات صخرية من الغرانيت، وعلى أعماق تتجاوز مائة متر تحت سطح الأرض، وهو ما قد يحد من انتشار المواد المشعة في حال وقوع انفجار، دون أن يشكل ذلك ضمانة مطلقة لانتفاء المخاطر.
وتزامنت هذه الاستعدادات مع تداول مقطع إرشادي إيراني يشرح للمواطنين كيفية التصرف في حال وقوع انفجار نووي، ويتضمن توجيهات بشأن الاحتماء داخل المباني والابتعاد عن النوافذ وتفادي التعرض للغبار المشع. وقد بثت وسائل إعلام إيرانية بالفعل دليلاً توعوياً أعدته خدمات الطوارئ في محافظة أصفهان، لكن نشر تعليمات الدفاع المدني لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود معلومات مؤكدة بشأن هجوم وشيك.
وعلى المستوى العسكري، شهدت جزيرة قشم الإيرانية ضربة أمريكية محدودة يوم الاثنين الماضي، استهدفت مواقع مرتبطة بأنظمة الدفاع الجوي ومنصات إطلاق صواريخ، وفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين، الذين وصفوا العملية بأنها إجراء دفاعي لحماية القوات الأمريكية في المنطقة.
ويعزز هذا التطور المخاوف من احتمال اتساع نطاق العمليات العسكرية، خصوصاً أن الضربة جاءت في سياق مواجهة مستمرة بين الطرفين، شهدت خلال الأسابيع الماضية هجمات متبادلة وتهديدات متكررة للملاحة البحرية والمنشآت العسكرية.
وفي موسكو، أجرى المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي مباحثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الخميس 5 نونبر، وسلمه رسالة من المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، وفق ما أوردته وسائل إعلام إيرانية وأكدته تقارير صحافية دولية.
وتناولت المباحثات تطورات الوضع الإقليمي والترتيبات الأمنية المحتملة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب التعاون الاقتصادي ومشروع خط أنابيب للغاز بين روسيا وإيران. ولم يُكشف عن مضمون الرسالة التي حملها رضائي، ما يجعل الحديث عن طبيعة الدعم الذي طلبته طهران من موسكو غير محسوم.
وفي جبهة أخرى، عاد مضيق هرمز إلى واجهة التوتر بعدما شهدت حركة الملاحة البحرية حوادث جديدة طالت سفناً تجارية وناقلات نفط، حيث تحدثت تقارير عن تسجيل خمس حوادث على الأقل منذ بداية الأسبوع، فيما أعلنت إيران أن ناقلتين وناقلة سحب تعرضت لحوادث مرتبطة بألغام بحرية وحرائق.
وأعادت هذه التطورات المخاوف بشأن سلامة الإمدادات النفطية عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، خصوصاً مع استمرار القيود والتهديدات المتبادلة التي تؤثر على حركة السفن التجارية.
وانعكس التوتر على أسواق الطاقة، إذ ارتفع سعر خام برنت خلال تعاملات الخميس إلى نحو 98,29 دولاراً للبرميل، بعدما سجل تراجعاً في الجلسة السابقة، في ظل تجدد المخاوف من تعطل حركة الشحن البحري واستمرار المواجهة بين واشنطن وطهران.
وعلى الصعيد السياسي، رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حدة لهجته تجاه إيران، بعدما قال للصحافيين في البيت الأبيض إنه يفضل عدم تدمير ما تبقى من البلاد، لكنه قد يضطر إلى ذلك، مضيفاً أن العالم سيعرف قريباً القرار الذي ستتخذه إدارته بشأن الخطوات المقبلة.
وجاءت تصريحات ترامب عقب اجتماع مع فريقه للأمن القومي لمناقشة الخيارات الأمريكية، وسط تقارير إعلامية تحدثت عن استعدادات عسكرية لاحتمال استئناف عمليات واسعة ضد أهداف إيرانية. غير أن المعطيات المنشورة لم تتضمن إعلاناً عن صدور أمر رئاسي جديد باستئناف القصف، كما أشارت تقارير إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية لم تتلق توجيهاً جديداً بهذا الشأن حتى الآن.
وتحدثت تقارير صحافية، نقلاً عن مسؤولين ومصادر مطلعة، عن أن الحسابات السياسية المرتبطة بالانتخابات النصفية الأمريكية كانت من بين العوامل التي دفعت إدارة ترامب إلى تجنب تصعيد واسع قبل الاستحقاق الانتخابي، بينما باتت الخيارات العسكرية والدبلوماسية مطروحة مجدداً بعد انتهاء التصويت.
وتكشف هذه التطورات عن تداخل مسارات التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي والتحركات الدبلوماسية في الأزمة الأمريكية الإيرانية، إذ تتزامن إجراءات الاحتياط في العراق مع استمرار التهديدات الأمريكية، والتحركات الإيرانية نحو روسيا، والاضطرابات التي تطال الملاحة في مضيق هرمز.
ورغم تعدد المؤشرات الميدانية والسياسية، فإن تحديد موعد ضربة أمريكية جديدة يظل أمراً غير مؤكد، كما أن الفترة الممتدة من 7 إلى 11 نونبر ترتبط بإجراءات جوية عراقية محددة، وليس بإعلان رسمي عن نافذة زمنية لتنفيذ هجوم على إيران. وتبقى الساعات والأيام المقبلة مرتبطة بما ستسفر عنه الاتصالات الدبلوماسية والقرارات التي ستتخذها الإدارة الأمريكية بشأن مستقبل المواجهة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك