أنتلجنسيا المغرب: حمان ميقاتي/م.كندا
لم تكن صناديق الاقتراع الأميركية هذه
المرة مجرد ساحة للتنافس بين الشعارات الحزبية والوعود السياسية، بل تحولت إلى
اختبار مباشر لقدرة الأميركيين على تحمل تكاليف الحياة اليومية، بعدما تصدرت أسعار
الوقود والمواد الغذائية وارتفاع تكاليف المعيشة اهتمامات الناخبين، في تطور كشف
حجم الاستياء الشعبي من الأوضاع الاقتصادية، ووجه ضربة سياسية للحزب الجمهوري
بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي وجد نفسه أمام ناخبين باتوا يقيسون أداء إدارته
بمدى تأثير قراراتها على ميزانياتهم اليومية وقدرتهم على مواجهة الأعباء المتزايدة.
وخلال انتخابات التجديد النصفي لعام
2026، لم يقتصر غضب الناخبين الأميركيين على الخلافات السياسية والاصطفافات
الحزبية، بل امتد بصورة واضحة إلى محفظتهم اليومية، حيث كشفت استطلاعات الناخبين
أن 87 في المائة منهم كانوا قلقين بدرجات متفاوتة بشأن أسعار البنزين والديزل،
فيما اعتبر نحو تسعة من كل عشرة ناخبين أن تكاليف المعيشة شكلت عاملا مهما أو
حاسما في تحديد اختياراتهم الانتخابية، وهو ما أظهر أن الوضع الاقتصادي أصبح عنصرا
مركزيا في تقييم الناخبين للحكومة والسياسات التي يقودها ترامب.
ولم تكن أسعار الوقود وحدها في مقدمة
مصادر القلق، إذ أظهرت استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع أن 88 في المائة من
الناخبين أعربوا عن قلقهم من أسعار المواد الغذائية ومشتريات البقالة، بينما وضع
39 في المائة الاقتصاد ضمن أهم القضايا التي تواجه الولايات المتحدة، متقدما على
ملفات سياسية أخرى من بينها وضع الديمقراطية والهجرة، وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط
الذي تعيشه الأسر الأميركية نتيجة ارتفاع النفقات اليومية، بعدما أصبحت فواتير
التسوق والتنقل والطاقة مؤثرة بصورة مباشرة في المواقف السياسية والاختيارات
الانتخابية.
ووفق استطلاع أجرته شبكة فوكس نيوز
بالتعاون مع مؤسسة
NORC،
فإن 57 في المائة من الناخبين القلقين بشأن أسعار الوقود والديزل صوتوا لصالح
المرشحين الديمقراطيين، في مؤشر على العلاقة بين الضغوط المعيشية والتحولات في
اختيارات الناخبين، دون أن يعني ذلك أن أسعار البنزين وحدها كانت السبب الحاسم في
النتائج، إذ تتداخل العوامل الاقتصادية مع المواقف السياسية والاجتماعية في تحديد
السلوك الانتخابي، غير أن المعطيات أظهرت بوضوح أن القدرة الشرائية أصبحت عاملا
مؤثرا في تقييم أداء الإدارة الأميركية، وأن الناخبين لم يعودوا يفصلون بين الوعود
السياسية والنتائج الاقتصادية التي يلمسونها يوميا.
وتزامن هذا الاستياء مع تداعيات الحرب
الأميركية مع إيران، وما أثارته من مخاوف بشأن إطالة أمد المواجهة وارتفاع تكلفتها
الاقتصادية والعسكرية، فضلا عن انعكاساتها المحتملة على أسواق الطاقة وأسعار
المحروقات، حيث أظهرت نتائج الاستطلاع أن أعدادا أكبر من الناخبين فضلت إنهاء
الانخراط العسكري بهدف خفض أسعار الوقود، بدلا من استئناف العمليات العسكرية لمنع
إيران من تطوير سلاح نووي، وهو ما كشف أن الحسابات الاقتصادية باتت حاضرة بقوة حتى
في القضايا المرتبطة بالأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية.
وفي السياق ذاته، أظهر استطلاع الخروج
الذي أوردته وكالة رويترز أن نحو ثلثي الناخبين حملوا الرئيس دونالد ترامب مسؤولية
ارتفاع الأسعار، فيما رأى عدد كبير منهم أن بعض سياساته الاقتصادية والخارجية، بما
فيها الرسوم الجمركية والحرب مع إيران، ساهمت في تدهور أوضاعهم المعيشية، وجاءت
هذه المؤشرات بالتزامن مع خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في
انتكاسة انتخابية وضعت أجندة الرئيس أمام معارضة تشريعية جديدة، وفتحت الباب أمام
مرحلة سياسية تتسم بمواجهة أكبر بشأن الميزانية والضرائب والتجارة والسياسة
الخارجية.
وكشفت انتخابات التجديد النصفي لعام
2026 أن الأوضاع المعيشية يمكن أن تتحول إلى عامل حاسم في محاسبة الحكومات
والقيادات السياسية، وأن الخطابات الانتخابية والوعود الكبرى لا تكفي دائما لإقناع
الناخبين عندما تتزايد أعباء الوقود والغذاء والسكن والخدمات، ففي الولايات
المتحدة أصبح السؤال الذي يشغل ملايين المواطنين لا يتعلق فقط بالانتماء الحزبي أو
المواقف السياسية، بل بقدرة الإدارة على تحسين ظروفهم الاقتصادية وتخفيف الضغط عن
ميزانياتهم، وهو ما يجعل نتائج هذه الانتخابات رسالة سياسية واضحة بشأن الثمن
الانتخابي الذي قد تدفعه الأحزاب عندما تتحول الأزمة المعيشية إلى مصدر غضب شعبي
واسع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك