أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم تستسغ السلطات الجزائرية التطورات الأخيرة التي شهدها مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء، بعدما وجدت نفسها أمام واقع دبلوماسي جديد أعاد خلط الأوراق المرتبطة بمستقبل بعثة «المينورسو»، إذ سارعت الحكومة الجزائرية إلى التعبير عن «بالغ أسفها» لعدم تجديد ولاية البعثة، في موقف كشف حجم انزعاجها من المسار الذي اتجهت إليه مناقشات المجلس، ومن التحولات التي حملها المشروع الأمريكي بشأن النزاع.
واختارت الجزائر توجيه انتقادات حادة إلى القرار المقترح، واصفة إياه بـ«المنحاز بشكل مفرط» لصالح المملكة المغربية، في محاولة واضحة لتصوير التحولات التي يعرفها النقاش الأممي باعتبارها انحيازاً ضد أطروحتها، بدل مواجهة الأسئلة السياسية والدبلوماسية التي باتت تطرح حول جدوى استمرار الرهان على مقاربات لم تنجح، على مدى عقود، في إنهاء النزاع أو تحقيق اختراق حاسم في مساره.
كما يعكس هذا الموقف، وفق قراءة منتقدة للأداء الدبلوماسي الجزائري، استمرار اعتماد خطاب الاعتراض والاتهام كلما اتجه النقاش الدولي نحو مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وكأن أي تحول في مقاربة المجتمع الدولي لا ينسجم مع التصور الجزائري ينبغي مواجهته بالتشكيك في نزاهة المسار الأممي واتهامه بالانحياز.
ولم يكن مستغرباً أن تثير الصيغة الأمريكية حفيظة الجزائر، بعدما جعلت مبادرة الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، وهو ما يعزز موقع المقترح المغربي داخل النقاش الدولي ويدفع الأطراف المعنية إلى التعامل مع واقع دبلوماسي مختلف. فبدلاً من تقديم قراءة سياسية هادئة لهذه التطورات، اختارت الجزائر العودة إلى خطاب الرفض، في محاولة لتقويض دلالات التحول الذي حمله المشروع الأمريكي.
ويزداد الموقف الجزائري إثارة للجدل بالنظر إلى أن مشروع القرار الأمريكي حصل على تأييد 11 عضواً داخل مجلس الأمن، قبل أن يسقط بفعل استخدام روسيا حق النقض، بينما لم يتمكن المشروع الروسي البديل بدوره من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده. وهو ما يعني أن المجلس لم يتوصل إلى صيغة توافقية جديدة بشأن مستقبل المينورسو، وليس أن الموقف الجزائري نجح في فرض تصور بديل يحظى بالدعم اللازم.
وتكشف هذه الحصيلة عن مأزق دبلوماسي يتجاوز مجرد الاعتراض على صياغة مشروع قرار، إذ تجد الجزائر نفسها مطالبة بتفسير أسباب استمرار تعثر المسار الأممي، في وقت تتواصل فيه التحركات الدولية الرامية إلى البحث عن تسوية سياسية واقعية، بينما يظل خطابها متمسكاً بمواقف تقليدية لم تفض إلى إنهاء النزاع.
وفي المقابل، يواصل المغرب الدفع بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أرضية للحل السياسي، مستفيداً من إدراجها في صلب النقاش الذي دار داخل مجلس الأمن، وهو تطور يفسر جانباً من حدة رد الفعل الجزائري، خصوصاً أن أي تقدم في موقع المبادرة المغربية يضع الدبلوماسية الجزائرية أمام ضرورة مراجعة خطابها وأدوات تحركها.
كما أن إبداء الأسف على عدم تجديد ولاية المينورسو يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الرهان الذي ظلت الجزائر تعقده على استمرار البعثة، ومدى ارتباط حساباتها السياسية باستمرار الوضع القائم، في ظل عجز المسار الأممي عن تحقيق تسوية نهائية طوال السنوات الماضية. فالمشكل الحقيقي لا يكمن في انتهاء ولاية بعثة أو تعثر مشروع قرار، بل في استمرار نزاع إقليمي استنزف فرص التنمية والتعاون في المنطقة المغاربية.
وتبدو الجزائر، من خلال خطابها الأخير، وكأنها تحاول نقل النقاش من جوهر التحولات التي يعرفها الملف إلى اتهام الأطراف الدولية بالانحياز، متجاهلة أن المعادلات الدبلوماسية لا تتغير بمجرد إصدار بيانات الاعتراض، وأن تعزيز أي مقترح سياسي يظل مرتبطاً بقدرته على إقناع المجتمع الدولي وتوفير أرضية عملية لتسوية النزاعات.
وبينما يواصل المغرب التمسك بمبادرة الحكم الذاتي ومواصلة تحركاته الدبلوماسية، تجد الجزائر نفسها أمام اختبار جديد لمدى قدرتها على التعامل مع التطورات الأممية بعيداً عن منطق التصعيد وتكرار المواقف السابقة. أما مستقبل المينورسو، فلا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، في انتظار ما سيقرره مجلس الأمن بشأن وضع البعثة ومسار التسوية خلال المرحلة المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك