أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
تترقب الأسواق العربية مزيدا من الضغوط على كلفة الغذاء، في ظل استمرار صعود أسعار القمح عالميا وتزايد الاضطرابات التي تطال طرق التجارة وسلاسل الإمداد، في وقت تجد فيه العديد من الدول العربية نفسها رهينة لتقلبات الأسواق الخارجية بسبب اعتمادها الكبير على الواردات لتأمين حاجياتها الغذائية.
وتكشف المعطيات الواردة في التقرير أن ارتفاع أسعار القمح يأتي في سياق دولي مضطرب، تتداخل فيه تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية مع التوترات الجيوسياسية واختناقات النقل، وهو ما يرفع كلفة الحصول على الحبوب بالنسبة للدول التي تعتمد على الاستيراد لتغطية جزء كبير من استهلاكها المحلي.
وتشير بيانات أوردها البنك الدولي إلى أن الاعتماد العربي المرتفع على الاستيراد يجعل أسواق المنطقة أكثر حساسية لأي تغيرات في الأسعار الدولية، خصوصا أن القمح يحتل موقعا بارزا ضمن المواد الغذائية التي تستوردها مجموعة من الدول العربية بهدف ضمان حاجياتها الأساسية.
وتوضح المعطيات نفسها أن أسعار شحنات القمح المقرر تسليمها خلال أكتوبر المقبل سجلت ارتفاعا بنسبة 25% مقارنة بالمستويات التي سبقت أزمة اختناق إمدادات الحبوب وتعطل حركة العبور عبر البحر الأسود، في تطور يرتبط باستمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على تجارة الحبوب العالمية.
وتبرز أهمية البحر الأسود في سوق القمح الدولية بالنظر إلى كونه ممرا رئيسيا لنقل المحاصيل بين مناطق الإنتاج والأسواق العالمية، في وقت تستحوذ فيه روسيا وأوكرانيا مجتمعتين على أكثر من ربع تجارة القمح العالمية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في المنطقة ينعكس بسرعة على حركة الإمدادات والأسعار.
وتفيد بيانات البنك الدولي الصادرة خلال سبتمبر الجاري بأن سعر طن القمح الأميركي يتراوح حاليا بين 310 و330 دولارا، وهو مستوى يفرض ضغوطا إضافية على الدول المستوردة، خصوصا تلك التي لا تتوفر على هوامش واسعة لامتصاص ارتفاع تكلفة المواد الغذائية الأساسية.
وتختلف حدة التأثير من بلد عربي إلى آخر بحسب درجة الاعتماد على الأسواق الخارجية، وحجم الاستهلاك المحلي، وقدرة الحكومات على تحمل الزيادات أو دعم أسعار المواد الأساسية، وهو ما يجعل ارتفاع القمح تحديا اقتصاديا يتجاوز مجرد حركة الأسعار في الأسواق العالمية.
وتزداد المخاطر عندما تتزامن موجات ارتفاع أسعار الحبوب مع اضطرابات في النقل وسلاسل التوريد، إذ لا تقتصر الزيادة في الكلفة على سعر القمح نفسه، وإنما تمتد أيضا إلى تكاليف الشحن والتأمين والنقل، بما قد يرفع في نهاية المطاف فاتورة الاستيراد ويضغط على موازنات الدول.
وتضع هذه التطورات مسألة الأمن الغذائي أمام اختبار جديد في المنطقة العربية، خصوصا في ظل استمرار اعتماد عدد من الدول على الخارج لتأمين حاجياتها من الحبوب، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة أهمية تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي وتكوين مخزونات قادرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
وتكشف التطورات الأخيرة، في المحصلة، أن سوق القمح أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالتوترات الجيوسياسية وحركة التجارة العالمية، بما يجعل أي اضطراب في مناطق الإنتاج أو الممرات البحرية الرئيسية قابلا للتحول إلى ضغط مباشر على كلفة الغذاء في الدول المستوردة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك