أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
تحولت منصة “إكس”، إلى منبر إعلان تصعيد غير مسبوق حين خرج وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف ليؤكد أن بلاده استنفدت صبرها، وأن ما يجري على الحدود لم يعد اشتباكات معزولة بل “حربا مفتوحة” مع أفغانستان. التصريح جاء عقب تبادل ضربات بين الجانبين في أعقاب هجوم أفغاني عبر الحدود، في مشهد ينسف عمليا أي حديث عن تهدئة دائمة بين الجارتين النوويتين سابقا في خندق واحد ضد الإرهاب.
آصف اعتبر أن باكستان كانت تراهن على استقرار أفغانستان بعد انسحاب قوات حلف شمال الأطلسي، وأنها توقعت من حركة طالبان التركيز على إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار الإقليمي. غير أنه اتهم سلطات كابول بتحويل البلاد إلى منصة لاستقطاب مسلحين من جنسيات مختلفة و”تصدير الإرهاب”، بل وذهب أبعد من ذلك بالقول إن أفغانستان تحولت إلى “مستعمرة للهند”، في اتهام سياسي ثقيل يعكس حجم التوتر الإقليمي وتشابك الحسابات بين إسلام آباد ونيودلهي.
في المقابل، لم يتطرق الوزير الباكستاني إلى مصير وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة قطرية، في وقت تكشف فيه الوقائع الميدانية هشاشة ذلك الاتفاق. التصعيد الأخير بدأ، بحسب الرواية المتداولة، عندما شنت أفغانستان هجوما عبر الحدود ردا على غارات جوية باكستانية استهدفت مناطق حدودية داخل الأراضي الأفغانية قبل أيام، وأسفرت عن سقوط ضحايا. الرد الباكستاني لم يتأخر، إذ أفيد بتنفيذ غارات جوية فجر الجمعة طالت العاصمة كابول إضافة إلى مناطق أخرى.
دوي ثلاثة انفجارات على الأقل سُمع في كابول، دون صدور حصيلة دقيقة عن الخسائر أو المواقع المستهدفة داخل العاصمة. كما أعلن المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد أن الطيران الباكستاني نفذ ضربات في قندهار جنوب البلاد، وفي إقليم بكتيا جنوب شرقي أفغانستان، ما يؤكد اتساع رقعة العمليات وتعدد جبهاتها.
الخطاب الباكستاني لم يقتصر على البعد الأمني، بل تضمن اتهامات لطالبان بحرمان الأفغان من حقوق أساسية، بما في ذلك حقوق النساء، مع تأكيد أن هذه الحقوق “مكفولة في الإسلام”، في محاولة لإضفاء بعد أخلاقي وديني على الموقف السياسي والعسكري. غير أن هذا الطرح يطرح بدوره أسئلة حول توظيف ملف الحقوق في سياق صراع جيوسياسي محتدم، حيث تختلط الحسابات الأمنية بالرسائل السياسية الموجهة للداخل والخارج.
تحليل المشهد يكشف أن ما يحدث يتجاوز مجرد ردود فعل تكتيكية على حوادث حدودية. الحدود بين باكستان وأفغانستان ظلت تاريخيا بؤرة توتر بسبب نشاط جماعات مسلحة عابرة للحدود، لكن إعلان “الحرب المفتوحة” يرفع السقف إلى مستوى جديد، ويضع المنطقة أمام احتمال انزلاق أوسع في حال غابت قنوات الوساطة الفعالة. كما أن إدخال عامل الهند في الخطاب الباكستاني يعكس قناعة في إسلام آباد بأن الصراع لم يعد ثنائيا صرفا، بل جزء من لعبة نفوذ إقليمية أكثر تعقيدا.
في ظل هذا التصعيد، تبدو كل السيناريوهات مفتوحة: إما احتواء سريع يعيد الأطراف إلى طاولة التهدئة، أو استمرار دوامة الضربات المتبادلة بما يحول الشريط الحدودي إلى ساحة مواجهة دائمة. المؤكد أن إعلان نفاد الصبر من أعلى مستوى في وزارة الدفاع الباكستانية ليس مجرد تصريح عابر، بل رسالة بأن قواعد الاشتباك السابقة لم تعد قائمة، وأن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية قد تعيد رسم توازناتها بالقوة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك