أنتلجنسيا:سميرة الوديع
في قراءة سياسية نارية تكشف حجم الارتباك داخل القرار الأمريكي، شنّ كاتب العمود الشهير بصحيفة The New York Times، توماس فريدمان، هجوماً لاذعاً على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب طريقة تدبير الحرب الأمريكية ضد إيران، معتبراً أن السؤال الحقيقي لم يعد مرتبطاً بنتائج الحرب نفسها، بل بحجم “المرارة السياسية” التي سيضطر ترامب إلى ابتلاعها للخروج من هذا المستنقع بأقل الخسائر الممكنة، متسائلاً بسخرية ما إذا كان الرئيس الأمريكي سيحاول تسويق هذا التراجع على أنه “انتصار فاخر”.
ويرى فريدمان أن إنهاء المواجهة مع طهران دون تحقيق شعار “الاستسلام غير المشروط” الذي وعد به ترامب قد لا يكون كارثياً بالكامل، إذا نجحت واشنطن في انتزاع تنازل إيراني بشأن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب القريب من مستوى تصنيع السلاح النووي، والمقدر بحوالي ألف كيلوغرام، باعتبار أن التخلص منه قد يخفف من خطر اقتراب إيران من امتلاك قنبلة نووية.
غير أن الكاتب الأمريكي يحذر من أن أي صفقة محتملة، حتى وإن تضمنت هذه الخطوة، لن تكون “نصراً مثالياً”، لأن بقاء النظام الإيراني محتفظاً بأطنان من اليورانيوم منخفض التخصيب، مع رفع الضغوط عنه، لن يؤدي فقط إلى استمراره في السلطة، بل قد يمنحه قوة إضافية ونفوذاً أكبر في المنطقة.
ويذهب فريدمان أبعد من ذلك حين يحمّل ترامب، ونائبه جيه دي فانس، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، مسؤولية منح النظام الإيراني “فرصة جديدة للحياة” في لحظة كان يعيش فيها، بحسب تعبيره، أضعف مراحله داخلياً أمام الشارع الإيراني.
وبحسب تحليل فريدمان، فإن إيران لن تتخلى عن مخزونها النووي الحساس إلا مقابل صفقة كبرى تشمل رفع الحظر الأمريكي عن صادراتها النفطية وتفكيك شبكة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وهو ما يعني عملياً ضخ موارد مالية ضخمة في شرايين النظام الإيراني، تسمح له بإعادة ترتيب أوراقه الداخلية، وتمويل حلفائه الإقليميين في لبنان والعراق واليمن، وتشديد القبضة على خصومه.
وينقل الكاتب عن خبير الحد من التسلح ومؤلف كتاب “الدول المارقة والسياسة الخارجية الأمريكية”، روبرت ليتواك، أن ترامب أطلق حرباً كان يراهن من خلالها على تغيير النظام في طهران، لكنه وجد نفسه على وشك إنهائها باتفاق يبدو، في جوهره، نسخة معدلة من الاتفاق النووي الذي تفاوضت بشأنه إدارة باراك أوباما سنة 2015، قبل أن ينسحب منه ترامب نفسه سنة 2018 بشكل وصفه فريدمان بـ”المتهور”.
وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة في التحليل، يوجه فريدمان انتقاداً قاسياً لطريقة التخطيط الأمريكي للحرب، معتبراً أن ترامب وفريقه للأمن القومي دخلوا المواجهة من دون إعداد سيناريوهات بديلة، واعتمدوا بشكل شبه كامل على رهانات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن النظام الإيراني سينهار سريعاً تحت وقع القصف.
لكن الواقع، بحسب الكاتب، جاء مغايراً تماماً، بعدما ردت إيران بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، والذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط العالمية، ما تسبب في اضطراب الأسواق وارتفاع أسعار الوقود، وأظهر قدرة إيران على تهديد الاقتصاد العالمي بأدوات منخفضة الكلفة، مثل الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز.
ويعتبر فريدمان أن أكبر خطأ استراتيجي ارتكبه ترامب ونتنياهو تمثل في افتراض أن التفوق العسكري وحده كافٍ لإجبار إيران على الخضوع، قبل أن تكتشف طهران، بفضل هذه الحرب، ما يسميه الكاتب “سلاح التعطيل الشامل”، أي القدرة على شل الاقتصاد العالمي عبر تهديد إمدادات الطاقة وإرباك الملاحة الدولية.
وفي مقارنة لافتة، يستحضر فريدمان الدرس الأوكراني، متخيلاً سيناريو مختلفاً كان يمكن أن يحدث لو تعامل ترامب وفانس بتواضع مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وسألاه عن كيفية تمكن أوكرانيا من الصمود أمام القوة العسكرية الروسية، حيث كان بإمكانهما فهم التحولات التي فرضتها الطائرات المسيّرة على الحروب الحديثة، وكيف أصبح بإمكان القوى الصغيرة تهديد قوى أكبر بوسائل زهيدة الكلفة.
ويؤكد الكاتب أن ما جرى يبعث برسائل مقلقة إلى حلفاء واشنطن، مفادها أن الولايات المتحدة أصبحت أقل استقراراً وأضعف قدرة على الالتزام بتحالفاتها، مستشهداً بدعوات ترامب المرتجلة لبعض الدول، من بينها تركيا وباكستان ومصر والأردن والسعودية وحتى إيران، للانضمام بشكل فوري إلى اتفاقات سلام مع إسرائيل، رغم التعقيدات السياسية الهائلة التي تجعل هذا الطرح، بحسب فريدمان، أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الواقعية الدبلوماسية.
ويختم توماس فريدمان مقاله بخلاصة حادة، مفادها أن إسقاط النظام الإيراني وإنهاء مشروعه النووي كان يمكن أن يخدم استقرار الشرق الأوسط، لكن ذلك كان يتطلب تخطيطاً دقيقاً، وتحالفات قوية، وشرعية دولية واضحة، لا قرارات مرتجلة وفريقاً مرتبكاً، معتبراً أن النتيجة النهائية لما جرى هي منح طهران فرصة جديدة للبقاء، ونفوذاً أخطر على سوق النفط العالمية، وقدرة أكبر على الاستمرار في التأثير على توازنات المنطقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك