فايننشال تايمز:هل الذكاء الاصطناعي «هيكل خارجي» للعقل؟

فايننشال تايمز:هل الذكاء الاصطناعي «هيكل خارجي» للعقل؟
دولية / الثلاثاء 07 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:فتيحة الوديع

أجمل ما في رحلتي اليومية إلى العمل على دراجتي الهوائية، هو ذلك المنحدر الحاد الذي يتوجب عليّ تسلقه قبيل وصولي إلى المكتب. في تلك اللحظة، أقوم بضبط محرك الدراجة الكهربائية على طاقته القصوى، لأبحر صعوداً بكل سلاسة وزهو، مرسلة دعاء شكر صامت لكل من أسهم في ابتكار هذه التكنولوجيا المذهلة.

وحين يتقدم بي العمر، ربما سأحمل امتناناً مشابهاً لمبتكري «الهياكل الخارجية اليومية»؛ تلك الأجهزة الذكية التي تشبه أحزمة الورك الروبوتية، المصممة لمساعدة كبار السن الذين تعاني حركتهم من التراجع، ليظلوا أكثر نشاطاً وحيوية مما تسمح به قدراتهم الجسدية المجردة. لكن، هل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا من هذا القبيل، ولكن للعقل لا للجسد؟

وقد عقد باحثون هذه المقارنة عندما أجروا تجربة حول استخدام مستشاري «مجموعة بوسطن الاستشارية» لأدوات الذكاء الاصطناعي. ووجدوا أن التكنولوجيا كانت «تعزز قدرات الموظفين خلال محاولتهم اكتساب مهارات جديدة»، لكنهم اكتشفوا في الوقت نفسه أنه «عند إزالة هذا الهيكل الخارجي، لا يتم الاحتفاظ بأي معرفة مستقلة تقريباً».

تبدو هذه الاستعارة مفيدة إلى حد ما؛ فالأطراف الاصطناعية والهياكل الخارجية تساعد الناس على إنجاز أشياء لم يكن بمقدورهم فعلها بدون الاستعانة بها، وهو أمر يستحق الاحتفاء به بلا شك.

غير أنها، في المقابل، قد تؤدي إلى ضمور العضلات نتيجة قلة الاستخدام. وهنا يطرح السؤال نفسه، من هي الفئة التي نخشى عليها أكثر من غيرها من الاستخدام المنتظم لهذه الهياكل؟ المؤكد أنهم فئة الشباب، الذين لم تكتمل عضلاتهم ونموهم البدني بعد.

وهناك أدلة ومؤشرات بدأت تطفو على السطح تثبت أن استخدام الشباب لـ «الهياكل الخارجية للعقل» قد يعيق بالفعل نمو عضلاتهم الإدراكية. فقد كشفت دراسة حديثة شملت قرابة 27 ألف طالب صيني أن تبني أدوات الذكاء الاصطناعي رفع درجات الواجبات المنزلية، لكنه أدى في المقابل إلى خفض درجات الامتحانات الرسمية بشكل ملحوظ.

قد يخلص البعض إلى أن المشكلة تكمن في طبيعة الامتحانات نفسها لا في الطلاب؛ فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد جعل المعرفة رخيصة ومتاحة بغزارة، فإن المناهج التعليمية يجب أن تتغير لتركز على المهارات التي يحتاجها أرباب العمل اليوم، مثل التفكير النقدي والمهارات التفاعلية بين الأفراد.

لكن هذا الطرح ينطوي على مبالغة شديدة. أولاً، لست مقتنعة تماماً بأن المرء يمكنه «التفكير نقدياً» في موضوع لا يملك عنه أي خلفية معرفية. وثانياً، فإن فكرة أن المعرفة لم تعد ضرورية، لا تتماشى مع الإشارات التي نتلقاها من سوق العمل اليوم.

ففي مهنة البرمجة، على سبيل المثال، يشير ارتفاع الطلب على كبار المطورين إلى أن الخبرة الفنية لا تزال ذات قيمة عالية؛ سواء لإدارة أدوات الذكاء الاصطناعي أو لمنع تسلل الأخطاء البرمجية.

وهناك رأي بديل يدعو إلى حظر الذكاء الاصطناعي تماماً في البيئات التعليمية. وهو رأي لا أستسيغه أيضاً. فإذا كان من المتوقع أن يستخدم الشباب هذه الأدوات في عالم العمل مستقبلاً، فإن حظرها في المدارس والجامعات لن يؤهلهم بشكل جيد.

علاوة على ذلك، تشير البحوث إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكنه بالفعل مساعدة الناس على التعلم عند توظيفه كـ «مدرس خصوصي». وهنا تحديداً تسقط استعارة الهيكل الخارجي؛ فنماذج اللغات الكبيرة قادرة على تطوير عضلاتك الفكرية، وفي الوقت نفسه، قادرة على إغوائك بتركها دون استخدام على الإطلاق.

وأظهرت دراسة أجريت على طلاب يتعلمون البرمجة في إحدى الجامعات الصينية أن العديد منهم كانوا يعتقدون أنهم يستخدمون نموذج اللغة الكبير كمعلم خاص، بينما كانوا في واقع الأمر يعتمدون عليه للحصول على الإجابات الجاهزة.

قال أحد الطلاب للباحثين: «شعرت وكأن مبرمجاً محترفاً يجلس بجواري تماماً. عندما كنت أتعثر، كنت أشرح له المشكلة ونعمل معاً على حلها».

ولكن عندما فحص الباحثون سجلات تفاعل الطالب مع النموذج، وجدوا «أوامر فورية ومباشرة من مرة واحدة، يتبعها قبول سريع للإجابة المتاحة»، وهو نمط يتوافق مع «التفويض الإجرائي» لا التعلم التشاركي.

والخبر السار هنا هو أن المشكلة حلها بسيط نسبياً؛ فإذا تأكدنا من أن التقييمات المدرسية والجامعية الأساسية، سواء مكتوبة أو عملية، تتم في ظروف امتحانات صارمة ودون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

فإن ذلك سيعيد الحوافز الصحيحة للمنظومة التعليمية. قد يكون الطريق وعراً في بدايته، لكن مع مرور الوقت، سيجد المعلمون والطلاب والمؤسسات طرقاً مبتكرة لتوظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز التعلم، مع وجود دافع قوي لتجنب الأساليب التي تقلل الجهد العقلي.

وفي هذا السياق، تقارن ديزي كريستودولو، مديرة التعليم في شركة تكنولوجيا التعليم «No More Marking»، هذا الوضع بلاعبي الشطرنج، حيث قالت «كل كبار لاعبي الشطرنج يستخدمون برامج الشطرنج الحاسوبية للاستعداد والتدريب، ولا شك أن هذا يجعلهم أفضل.

لكنهم لا يستخدمونها كعكاز يتكئون عليه، لأنهم جميعاً يعملون من أجل هدف نهائي وغاية كبرى، وهي خوض مباريات حاسمة لا يمكنك فيها استخدام التكنولوجيا أبداً».

هناك ميزة أخرى وراء حظر الذكاء الاصطناعي في الامتحانات والتقييمات. وهي ضمان بذل الجهد البشري. فكلنا نملك غريزة فطرية لتجنب الأشياء الشاقة، وأنا أولهم؛ ولهذا السبب تحديداً أعشق دراجتي الكهربائية. لكن، لو كانت مسيرتي التعليمية بأكملها مجرد «رحلة سهلة ومريحة» نحو قمة المنحدر دون عناء، فلا أظن أنها كانت لتؤهلني وتصقلني جيداً لمواجهة معترك الحياة.

المصدر:فايننشال تايمز(ساررة أوكونو)

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك