أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب منعطفاً سياسياً بالغ الخطورة بعدما تحولت الحرب ضد إيران من ورقة استعراض قوة إلى مأزق داخلي وخارجي يضعه أمام معادلة تبدو مستحيلة: إما احتواء الأزمة عبر تفاهمات قد تُغضب صقور الحزب الجمهوري، أو المضي في التصعيد العسكري بما يحمله من تداعيات اقتصادية خانقة قد تنفجر في وجه إدارته وتُغرق حلفاءه الانتخابيين.
ففي خضم أسبوع حافل بالاتصالات والمشاورات الدبلوماسية، بدأت تلوح في الأفق ملامح تفاهم أولي بين واشنطن وطهران يقوم على تمديد وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز الحيوي أمام الملاحة الدولية، مع ترحيل الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، إلى مرحلة لاحقة. خطوةٌ يراها مراقبون محاولة لإنقاذ ماء الوجه بعد حرب لم تحقق الأهداف الكبرى التي رفعها ترامب في بداية المواجهة.
هذا السيناريو، وإن بدا مخرجاً مؤقتاً لخفض أسعار الطاقة واحتواء اضطرابات الأسواق العالمية، إلا أنه يُشعل في المقابل حالة غضب داخل المعسكر الجمهوري المتشدد، حيث ترتفع الأصوات المطالبة بمواصلة الضربات العسكرية و”استكمال المهمة” لمنع إيران من امتلاك أي قدرة نووية مستقبلية، وهو الشعار الذي روّج له ترامب نفسه لتبرير دخوله الحرب.
ولم يُخفِ عدد من كبار الجمهوريين المؤثرين، بينهم شخصيات بارزة في مجلس الشيوخ، تحفظاتهم على أي اتفاق محتمل مع طهران، معتبرين أن أي صيغة تفاهم جديدة لن تكون سوى نسخة مكررة من الاتفاق النووي الذي أبرم سنة 2015 في عهد باراك أوباما، قبل أن ينسحب منه ترامب نفسه في خطوة قدّمها آنذاك باعتبارها “تصحيحاً تاريخياً”.
وسط هذا التوتر، يجد ترامب نفسه محاصراً بهامش مناورة ضيق للغاية، إذ يواجه ضغطاً متزايداً لإعادة الاستقرار إلى أسواق النفط وتخفيف الغضب الشعبي المرتبط بارتفاع أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة، بينما يخشى في الوقت ذاته أن يُتهم بالتراجع أمام إيران، وهو اتهام قد يُفقده ثقة جزء أساسي من قاعدته الانتخابية المحافظة.
ويرى متابعون أن الخطاب المتقلب الصادر عن ترامب خلال الأيام الأخيرة يكشف حجم الارتباك داخل البيت الأبيض، إذ ينتقل الرئيس الأميركي بين لغة التهديد والتشدد وبين الإشارات إلى إمكانية التوصل إلى “اتفاق عظيم”، في محاولة واضحة لتحقيق مكسب سياسي سريع يسمح له بإعلان الانتصار دون الغرق أكثر في مستنقع الحرب.
غير أن التسريبات المتداولة بشأن “مذكرة تفاهم” محتملة بين واشنطن وطهران تكشف أن الطريق ما يزال مليئاً بالألغام، إذ تظل قضايا شائكة بلا أجوبة واضحة، من بينها مستقبل مضيق هرمز، ومصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب حدود أي تخفيف محتمل للعقوبات الاقتصادية المفروضة على الجمهورية الإسلامية.
ويرى مراقبون أن أي اتفاق مؤقت، حتى وإن نجح في منع انفجار عسكري أوسع، سيظل بعيداً جداً عن السقف المرتفع الذي رسمه ترامب حين تحدث سابقاً عن “استسلام غير مشروط” لإيران وتفكيك كامل لبرنامجها النووي، ما يفتح الباب أمام اتهامات سياسية للرئيس الأميركي بأنه تراجع عن وعوده تحت ضغط الواقع العسكري والاقتصادي.
وفي الخلفية، تتصاعد المخاوف داخل الحزب الجمهوري من أن تتحول تداعيات الحرب إلى عبء انتخابي ثقيل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، خاصة في ظل مؤشرات اقتصادية مقلقة واحتمال استمرار ارتفاع أسعار الوقود، وهو الملف الذي قد يدفع الناخب الأميركي إلى معاقبة الحزب الحاكم.
وتبدو المفارقة أكثر حدة بالنسبة لرئيس صعد إلى السلطة وهو يرفع شعار تجنب “الحروب غير الضرورية”، قبل أن يجد نفسه اليوم في قلب صراع إقليمي معقد، يُهدد ليس فقط صورته السياسية، بل أيضاً مستقبل الجمهوريين في الكونغرس وإرثه في السياسة الخارجية خلال ولايته الثانية.
وفي المقابل، تبدو طهران أكثر تمسكاً بمواقفها بعدما أظهرت، وفق تقديرات محللين، قدرة على امتصاص الضربات والصمود في وجه الضغوط العسكرية، ما يمنحها هامش قوة إضافياً في أي مفاوضات مقبلة، ويجعل إنهاء الحرب بشروط أميركية خالصة أمراً أكثر تعقيداً مما توقعه البيت الأبيض في بداية المواجهة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك