صفعة قضائية من كارلسروه للمملكة وأعلى محكمة ألمانية تحسم بأن الدولة بلا "شرف قانوني" وترفض دعوى المغرب ضد الإعلام

صفعة قضائية من كارلسروه للمملكة وأعلى محكمة ألمانية تحسم بأن الدولة بلا "شرف قانوني" وترفض دعوى المغرب ضد الإعلام
دولية / الخميس 26 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:فتيحة الوديع

في حكم وُصف بالمبدئي والمفصلي، قضت المحكمة الاتحادية العليا الألمانية بأن الدولة لا تملك حقوقًا شخصية ولا “شرفًا قانونيًا” يخولها مقاضاة وسائل الإعلام بدعوى المساس بالسمعة، منهيةً بذلك مسارًا قضائيًا رفعه المغرب ضد منابر إعلامية ألمانية على خلفية تقارير ربطت المملكة ببرنامج تجسس إلكتروني.

القرار، الصادر من مدينة كارلسروه برئاسة القاضي ستيفان زايترز، شدد بوضوح على أن الدولة لا يمكن تشبيهها بالشخص الطبيعي من حيث التمتع بالحق العام في الشخصية، ولا يمكنها الادعاء بوجود “كرامة شخصية” أو “شرف” يحميها من النشر الصحافي. المحكمة ذهبت أبعد من ذلك حين أكدت أن القانون الدولي لا يتضمن أي قاعدة تمنح دولة ما سلطة فرض التزام قانوني على وسائل إعلام في دولة أخرى لمنع نشر آراء أو معطيات قد تضر بصورتها.

القضية تعود إلى دعاوى رفعتها الرباط ضد Zeit Online وصحيفة Süddeutsche Zeitung بسبب تقارير نُشرت سنة 2021 تناولت تحقيقات دولية حول برنامج التجسس “بيغاسوس” الذي طورته شركة NSO Group الإسرائيلية. تلك التحقيقات تحدثت عن تسريب قائمة أهداف محتملة شملت سياسيين وصحافيين ومحامين، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأشارت إلى احتمال تورط أجهزة أمنية مغربية في عمليات مراقبة مفترضة، وهو ما نفته السلطات المغربية بشكل قاطع، مؤكدة أنها ليست من زبائن البرنامج.

المحاكم الألمانية في هامبورغ كانت قد رفضت الدعوى في مراحل سابقة، معتبرة أن الدولة لا تتوفر على الصفة القانونية التي تخول لها الادعاء بتضرر “سمعتها” على نحو يتيح لها ملاحقة الصحف. ورغم أن محكمة الاستئناف أشارت عرضًا إلى أن بعض التقارير قد تندرج ضمن “تقارير الاشتباه غير المبررة” بسبب نقص الأدلة، فإن ذلك لم يُترجم إلى إقرار بمشروعية دعوى الدولة، بل بقي في إطار ملاحظة جانبية غير حاسمة قانونيًا.

الحكم النهائي للمحكمة الاتحادية العليا أغلق الباب أمام أي تأويل مغاير، مؤكدًا أن الدولة لا يمكن أن تكون موضوعًا لجريمة قذف أو إهانة، وأن الحماية القضائية في مثل هذه الحالات تظل متاحة للأفراد أو الكيانات التابعة للدولة إذا ثبت تعرضهم لضرر مباشر. أما الدولة في حد ذاتها، فلا تتمتع بامتياز قانوني خاص يحصنها من النقد أو التحقيق الصحافي خارج حدودها.

تحليليًا، يعكس القرار ترسيخًا صارمًا لمبدأ حرية الصحافة في مواجهة محاولات توسيع نطاق الحماية القانونية للسمعة إلى مستوى الكيانات السيادية. كما يكرس تمييزًا حادًا بين الشخص الطبيعي الذي يتمتع بحقوق شخصية لصيقة بكرامته، وبين الدولة باعتبارها كيانًا قانونيًا وسياسيًا يخضع للنقد والمساءلة في الفضاء العام الدولي دون أن يمتلك “شرفًا” قابلاً للتجريم عند المساس به.

وبرفض الطعن، تكون المحكمة الألمانية قد حسمت النزاع من زاوية مبدئية تتجاوز تفاصيل ملف “بيغاسوس”، لتضع سابقة قانونية مفادها أن صورة الدولة في الخارج لا تحظى بحماية قانونية مطلقة أمام حرية النشر. وبينما لم يُفصل القضاء الألماني في جوهر صحة أو خطأ مضامين التقارير الصحافية، فإن الحكم أعاد رسم حدود المعركة: ليست بين دولة وصحيفة حول السمعة، بل بين سيادة قانون وحرية إعلام في فضاء عابر للحدود، حيث لا مكان لـ“شرف” سيادي فوق منصة القضاء.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك