قنصليات بلا رحمة ومغاربة إسبانيا عالقون بين تسوية تاريخية وإدارة تُقفل الأبواب في وجوههم

قنصليات بلا رحمة ومغاربة إسبانيا عالقون بين تسوية تاريخية وإدارة تُقفل الأبواب في وجوههم
دولية / الإثنين 02 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

في لحظة حاسمة كان يُفترض أن تتحول إلى فرصة إنصاف لآلاف المغاربة بإسبانيا، تحوّل مسار التسوية المرتقبة إلى اختبار قاسٍ لمدى جاهزية مؤسسات الدولة المغربية لمواكبة أبنائها في الخارج، بعدما وجد مهاجرون كُثر أنفسهم محاصَرين بعراقيل قنصلية خانقة تهدد بإقصائهم من مسطرة قانونية قد لا تتكرر.

الإقبال الواسع على مكاتب الهجرة الإسبانية لتقديم ملفات التسوية كشف، بسرعة صادمة، عن اختناق إداري على مستوى القنصليات المغربية، خصوصًا في ما يتعلق بالحصول على وثائق أساسية، تتقدمها شهادة “حسن السيرة” المستخرجة بالوكالة من المغرب، وهي وثيقة لا يمكن الشروع في مساطرها دون المرور الإجباري عبر بوابة القنصلية والتقيد الصارم بنظام المواعيد الإلكترونية.

هذا النظام، الذي فُرض باعتباره أداة لتنظيم الولوج إلى الخدمات القنصلية، تحوّل في السياق الحالي إلى عائق فعلي، بعدما أصبح حجز موعد أشبه بالمستحيل في قنصليات كمدريد وبرشلونة وبيلباو، حيث يواجه المهاجرون عبارة “لا توجد مواعيد متاحة” لأسابيع، بل أحيانًا لأشهر، في سباق مع الزمن تخسره الفئات الهشة قبل غيرها.

المعضلة لا تتوقف عند ندرة المواعيد، بل تتفاقم بفعل التعقيد التقني المفروض على المرتفقين، إذ يُشترط تحميل وثائق متعددة بصيغ رقمية دقيقة، من نماذج وكالات وشهادات سكنى ونسخ لوثائق تعريف، وهو ما يعجز عنه كثيرون، خاصة من محدودي التكوين الرقمي أو غير المتقنين للغة الإسبانية، لتُرفض طلباتهم مرارًا دون أي مواكبة فعلية.

في هذا الفراغ، تمددت شبكات السمسرة بلا حسيب ولا رقيب، عارضة “بيع المواعيد” بمبالغ تتراوح بين 30 و100 أورو، مستغلة خوف المهاجرين من ضياع فرصة التسوية، في مشهد يعيد إنتاج الابتزاز داخل مؤسسة يُفترض أنها تحمي المواطن لا أن تدفعه إلى السوق السوداء.

وتزداد الصورة قتامة حين تقطع أسر مسافات طويلة من مدن بعيدة، أملاً في تصديق وكالة لا يستغرق إنجازها سوى دقائق، لتُفاجأ بصدّ الأبواب في وجوهها بدعوى غياب الموعد، في مشهد يلخص القطيعة بين منطق الإدارة ومنطق الحاجة الإنسانية الملحّة.

هذه العراقيل، في سياق استثنائي وحساس، لا تُعد مجرد اختلالات تقنية، بل تهديدًا مباشرًا لحقوق آلاف المغاربة، وتعميقًا لهشاشتهم القانونية والاجتماعية، في وقت يفترض أن تتحرك فيه مؤسسات بلدهم الأم بمرونة قصوى لحماية مصالحهم وكرامتهم.

مهاجرون وفاعلون مدنيون يعتبرون أن استمرار العمل بنفس المنطق الإداري الصلب يُقوّض مبدأ رعاية الجالية، ويضع المغرب في موقع المتأخر مقارنة بدول أخرى سارعت إلى تعليق نظام المواعيد مؤقتًا، وفتحت قنصلياتها أمام مواطنيها دون تعقيدات، إدراكًا منها لخصوصية اللحظة.

المطالب اليوم لم تعد ترفًا، بل صارت ضرورة استعجالية، في مقدمتها تمكين المواطنين من التصديق على الوكالات وتجديد جوازات السفر دون حجز مسبق خلال هذه المرحلة، وتوفير نماذج جاهزة داخل القنصليات، وإحداث خلايا خاصة لمواكبة ملفات التسوية، مع تفعيل آليات صارمة لمحاربة سماسرة المواعيد.

أمام هذا الوضع، يرتفع السؤال السياسي الحاد: كيف يُعقل أن تُغلق مؤسسات الدولة أبوابها في وجه مواطنيها في لحظة مصيرية، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها أمام جاليات أخرى؟ وهل تدرك الجهات الوصية أن الزمن الإداري البطيء قد يُكلّف آلاف المغاربة فرصة قانونية قد تغيّر مصيرهم بالكامل؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك