أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
يبرز مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي، كونه قائداً للمقاومة الاقتصادية ضد مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقليص العولمة، ويعود ذلك في الأغلب إلى قلة من يجرأون على التعبير عن آرائهم.
وقد لجأ رئيس الوزراء الكندي إلى الصين كونها قوة موازنة، ودعا، في خطاب مثير أمام نخبة دافوس، القوى المتوسطة إلى التكاتف، لكن تعد هذه استراتيجية محفوفة بالمخاطر من ناحيتين:
أولاً، يعرض كارني بذلك كندا لرد فعل انتقامي من الولايات المتحدة، التي تعتمد عليها بلاده بشكل كبير، فقد استحوذت الولايات المتحدة على 73 % من صادرات كندا خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025.
وفقاً لبيانات رسمية، مقابل 11 % فقط في الاتجاه المعاكس، وتثير الشراكة التجارية المقترحة مع الصين تهديداً من البيت الأبيض بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 % على جميع البضائع المصدرة إلى الولايات المتحدة.
ثانياً، هناك خطر آخر يتمثل في أن كارني، في سعيه الحثيث لعقد تحالفات بديلة، قد يبرم صفقات غير مجدية، ومن المفترض أن ترضي الرسوم الجمركية المخفضة على نحو 4 مليارات دولار من زيت الكانولا مزارعي ساسكاتشوان.
لكن خفض الرسوم على 49 ألف سيارة كهربائية صينية يعد خبراً سيئاً لشركات تجميع السيارات في أونتاريو، والصين لديها عادة تقييد واردات زيت الكانولا الكندي عندما تتوتر العلاقات.
ويبدو تسهيل دخول منتجات صناعة متقدمة وعالية القيمة مثل السيارات الكهربائية مقابل بيع المزيد من زيت البذور صفقة ضعيفة، فهل يؤدي رفض كارني لسياسة «أمريكا أولاً» إلى وضع «كندا ثالثاً»؟
ليس بالضرورة، فرغم أن الواردات الكندية أقل حجماً للولايات المتحدة نسبياً، إلا أنها بالغة الأهمية بحيث لا يمكن الاستغناء عنها، لا سيما بالنسبة لشركات صناعة السيارات ومصافي النفط الأمريكية.
وليس من الحماقة إظهار الخيارات المتاحة أمام كندا في مواجهة ترامب، قبل إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة القارية بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا في وقت لاحق من هذا العام.
كذلك فإن رئيس الوزراء الكندي «المقدام» يحظى بدعم من الأسواق، فبالإضافة إلى ارتفاع قيمة الدولار الكندي مقابل نظيره الأمريكي خلال فترة ولاية ترامب الثانية سجل مؤشر بورصة تورنتو المركب (TSX Composite) رقماً قياسياً جديداً يوم الاثنين، وعلى الرغم من التوترات بين البلدين ارتفع المؤشر بنسبة 30 % خلال عام، أي ما يقارب ضعف أداء مؤشر «إس آند بي 500».
ويرجع السبب الرئيسي لذلك إلى أن حوالي نصف سوق الأسهم الكندية يمثلها قطاع الموارد الطبيعية - حيث تعكس الأسعار الاتجاهات العالمية.
كما تحتاج إليه الولايات المتحدة بكميات كبيرة - وقطاع التمويل، الذي لا يخضع للتعريفات الجمركية، ولا تمثل هذه القطاعات سوى 15 % من سوق الأسهم الأمريكية، التي يهيمن عليها قطاع التكنولوجيا، وفقاً لبيانات «مورنينغ ستار».
وواقع الأمور يقول إنه كلما ازداد غضب ترامب تحسن أداء بعض الأسهم الكندية، وأكثر من 15 % من المؤشر تسيطر عليه شركات تعدين الذهب. المعدن الأصفر، الذي ارتفع سعره مع لجوء المستثمرين إلى تجنب المخاطر، وشكل أكثر من ثلث نمو مؤشر بورصة تورنتو خلال العام الماضي، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن.
ولا يقتصر الأمر على المستثمرين فقط، فقد عرضت شركة «زيجين جولد» المدرجة في بورصة هونغ كونغ، علاوة بنسبة 27 % على شركة «ألايد جولد»، وهي شركة كندية مدرجة تمتلك مناجم ذهب في أفريقيا، لكن من الضروري أن يكون هناك توازن دقيق.
فالصين، التي خلص تحقيق عام إلى أنها حاولت التدخل في الانتخابات الكندية أكثر من مرة، حليف متقلب، وترامب متقلب المزاج أيضاً، ولعل أمل كارني يكمن في أن يتعايش التراشق الكلامي العلني مع المودة الحماسية، في الواقع كما في الخيال.
المصدر:فايننشال تايمز
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك