أنتلجنسيا:أبو جاسر
وضعت التصريحات الحكومية بشأن مستقبل مصفاة لاسامير حداً للتوقعات التي تحدثت عن إمكانية استئناف نشاطها خلال الأسابيع المقبلة، بعدما أكدت شرفات أفيلال، وزيرة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، أن اتخاذ قرار بشأن إعادة تشغيل هذه المنشأة الصناعية يظل رهيناً بدراسة علمية شاملة، وبحسم حكومي يأخذ بعين الاعتبار مختلف الأبعاد المرتبطة بالملف.
وأبرزت أفيلال، خلال مناقشة الموضوع في اجتماع لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة بمجلس النواب، أن ملف المصفاة يتسم بالتعقيد والتداخل، بالنظر إلى ارتباطه بإشكالات قانونية وقضائية وتقنية وعقارية وبيئية واقتصادية، وهو ما يجعل أي قرار بشأن مستقبلها يتطلب تقييماً دقيقاً قبل تحديد الخيار الذي ينبغي اعتماده.
واستبعدت المسؤولة الحكومية إمكانية الجزم بإعادة تشغيل لاسامير خلال الشهر المقبل أو حتى قبل نهاية السنة، موضحة أن الأمر لا يتعلق بقرار تقني معزول، بل باختيار استراتيجي يستوجب قراراً حكومياً جماعياً، يحدد ما إذا كان المغرب سيتجه نحو إعادة تشغيل المصفاة القائمة أو الاستثمار في بناء محطة جديدة لتكرير النفط.
وأعادت هذه التصريحات النقاش حول الجدوى الاقتصادية لإعادة تشغيل لاسامير إلى الواجهة، خصوصاً في ظل التساؤلات المتعلقة بمدى قدرة عودة المصفاة إلى الإنتاج على التأثير في أسعار المحروقات بالسوق الوطنية، وما إذا كان هذا الخيار سيحقق مكاسب ملموسة للمستهلكين أم أن كلفته الاستثمارية والتقنية قد تفرض اعتماد بدائل أخرى.
وشددت أفيلال على أن تقييم هذه الخيارات ينبغي أن يستند إلى دراسة علمية تأخذ بعين الاعتبار السياسة الطاقية للمملكة، وحاجياتها من المخزون الاستراتيجي، وقدرتها على مواجهة الاضطرابات التي يمكن أن تصيب سلاسل التوريد الدولية، سواء بسبب التوترات البحرية أو الأزمات الجيوسياسية والسياسية التي قد تؤثر في تدفق الإمدادات نحو الأسواق.
وفي هذا الإطار، وضعت المسؤولة الحكومية تعزيز المخزون الاستراتيجي ضمن الأولويات المستعجلة، معتبرة أن حماية الأمن الطاقي للمغرب تقتضي دراسة الإمكانات التخزينية المتاحة بمصفاة لاسامير، وتحديد مدى إمكانية الاستفادة من منشآتها لهذا الغرض، في انتظار اتخاذ القرار المناسب بشأن مستقبلها.
وأكدت أن تحديد كيفية التعامل مع هذه الإمكانات التخزينية يندرج ضمن الاختيارات السيادية للدولة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بأمن التزود بالطاقة، وبقدرة المملكة على ضمان استمرارية التموين خلال فترات الأزمات والاضطرابات الدولية.
وبالتوازي مع ملف المصفاة، تطرقت أفيلال إلى التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات، معترفة بأن هذه الزيادات بلغت مستويات قياسية وأصبحت تثقل كاهل المواطنين، سواء داخل الطبقة المتوسطة أو في صفوف الفئات الهشة، خصوصاً أن تأثيرها لا يتوقف عند تكاليف التنقل، بل يمتد إلى أسعار المواد الأساسية ومختلف الخدمات المرتبطة بالنقل والإنتاج.
وفي معرض حديثها عن تنظيم سوق المحروقات، أثارت المسؤولة الحكومية مسألة تقادم الإطار القانوني المؤطر للقطاع، مشيرة إلى أن القانون المعمول به يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، في وقت يعرف فيه السوق، بحسب تقييمها، حضوراً قوياً للشركات الكبرى مقابل محدودية موقع الشركات الصغرى والمتوسطة.
وكشفت في هذا السياق عن اشتغال الحكومة على مجموعة من التدابير المستندة إلى توصيات مجلس المنافسة، بهدف معالجة الاختلالات المرتبطة بالمنافسة، والحد من مظاهر الاحتكار، وتوسيع فرص الاستثمار أمام الفاعلين الاقتصاديين، بما يسمح بإعادة التوازن إلى سوق توزيع المحروقات.
وتستهدف هذه الإجراءات، وفق التوضيحات المقدمة، تخفيف القيود التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل ولوجها إلى السوق، بما يتيح لها الاستثمار في مجالات جغرافية لا تحظى بالاهتمام الكافي من طرف الشركات الكبرى، ويساهم في توسيع شبكة التوزيع وتعزيز العرض.
كما أشارت أفيلال إلى إمكانية مراجعة بعض القيود المرتبطة بفتح الاستثمار وتشجيعه، في إطار توجه يروم توسيع المنافسة بين محطات توزيع المحروقات، ومنح المستهلك خيارات أوسع للمقارنة بين الأسعار والخدمات، مع مراعاة ضرورة الحفاظ على استقرار السوق وتوازناته.
وتعيد هذه التصريحات ملف لاسامير إلى دائرة النقاش المرتبط بالسيادة الطاقية للمغرب، في ظل استمرار التساؤلات حول مستقبل المصفاة، والخيارات التي ستعتمدها الحكومة لتأمين احتياجات البلاد من المحروقات، وتقوية قدراتها التخزينية، ومواجهة تقلبات الأسواق الدولية.
وبين احتمال إعادة تشغيل المنشأة القائمة أو التوجه نحو إنشاء محطة جديدة للتكرير، يظل الحسم النهائي مؤجلاً إلى حين استكمال الدراسات المطلوبة واتخاذ قرار حكومي بشأن الجدوى الاقتصادية والتقنية لكل خيار، فيما يبقى تعزيز المخزون الاستراتيجي وإصلاح الإطار المنظم للمنافسة من الملفات المطروحة على طاولة الحكومة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك