أنتلجنسيا:أبو آلاء
تكشف الأرقام المالية الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن حجم الضغوط التي تفرضها المديونية العمومية على خزينة الدولة، بعدما أظهرت المعطيات تخصيص أكثر من 115 مليار درهم لأداء فوائد القروض وتسديد أصل الديون متوسطة وطويلة الأجل، في وقت تراهن فيه الحكومة على توسيع الإنفاق الاجتماعي ورفع حجم الاستثمار العمومي وتعزيز الخدمات الأساسية.
وتضع هذه الأرقام السياسة المالية للحكومة أمام معادلة دقيقة، إذ تجد الدولة نفسها مطالبة بتوفير موارد ضخمة للوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين، بالتوازي مع الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول كلفة الاقتراض المتواصل ومدى انعكاساته على هامش المناورة المتاح أمام الميزانية العامة.
وتوضح بيانات «ميزانية المواطن 2027» أن فوائد وعمولات الدين العمومي ستكلف الخزينة حوالي 45.94 مليار درهم، بينما سيصل المبلغ المخصص لتسديد أصل القروض متوسطة وطويلة الأجل التي يحل موعد استهلاكها إلى نحو 69.4 مليار درهم، لترتفع بذلك التكلفة الإجمالية لخدمة الدين إلى ما يقارب 115.3 مليار درهم خلال سنة واحدة.
وتبرز المقارنة مع باقي النفقات حجم هذا العبء المالي، إذ يتوقع أن تبلغ نفقات الميزانية العامة حوالي 571.12 مليار درهم، دون احتساب استهلاكات الدين العمومي متوسط وطويل الأجل، موزعة بين 195.67 مليار درهم لنفقات الموظفين، و158.13 مليار درهم لباقي نفقات السلع والخدمات، و138.03 مليار درهم للاستثمار، مقابل 45.94 مليار درهم لفوائد وعمولات الدين.
وتعني هذه المعطيات أن الفوائد والعمولات وحدها تستنزف ما يعادل ثلث الاعتمادات المخصصة للاستثمار في الميزانية العامة، بينما ترتفع الكلفة إلى مستوى يعادل نحو 84 في المائة من تلك الاعتمادات عند إضافة المبالغ الموجهة لتسديد أصل القروض، في مؤشر على المساحة التي باتت تحتلها التزامات المديونية ضمن التوازنات المالية للدولة.
وتتعمق هذه الصورة بالنظر إلى استراتيجية التمويل التي يتضمنها المشروع، حيث تقدر الحاجيات الإجمالية للخزينة بحوالي 159 مليار درهم، مع التوجه إلى تعبئة 120 مليار درهم عبر اقتراضات متوسطة وطويلة الأجل، موزعة بالتساوي بين السوق الداخلية والأسواق الخارجية، بما يعني استمرار اعتماد الدولة على الاقتراض لتغطية جزء مهم من حاجياتها المالية.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات بشأن العلاقة بين الاقتراضات السابقة والنتائج الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها، خصوصاً أن المديونية لا تقتصر كلفتها على مبالغ الفوائد المستحقة، بل تمتد إلى الالتزامات المرتبطة بإرجاع أصل القروض، وهو ما يفرض تقييم مردودية الأموال التي جرى تعبئتها ومدى مساهمتها في خلق الثروة وتحسين القدرة الإنتاجية وتوفير فرص الشغل.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالفوائد والعمولات، التي تستهلك اعتمادات مالية دون أن تتحول بصورة مباشرة إلى تجهيزات صحية أو مؤسسات تعليمية أو مناصب شغل جديدة، باعتبارها مقابلاً مالياً عن التمويلات التي حصلت عليها الدولة سابقاً، في حين يضيف تسديد أصل الدين التزاماً آخر يضغط على الموارد المتاحة خلال السنة المالية.
ولا يعني ذلك أن جميع الاعتمادات الموجهة لخدمة الدين كان من الممكن تحويلها تلقائياً إلى قطاعات الصحة والتعليم، أو أن الدولة تستطيع الاستغناء عن تسديد القروض المستحقة، غير أن ضخامة هذه الالتزامات تحد من هامش الاختيارات المالية المتاحة، وتفرض على الحكومة البحث عن موارد إضافية وتدبير النفقات الأخرى بما يضمن تمويل الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
وتظهر المقارنة مع القطاعات الاجتماعية أن ميزانية الصحة سترتفع، وفق المشروع، إلى حوالي 45.4 مليار درهم، مقابل 42.4 مليار درهم خلال السنة الجارية، فيما ستبلغ الاعتمادات المخصصة للمنظومة التعليمية نحو 121.3 مليار درهم، وهي مبالغ تضع الحكومة أمام تحدي ضمان تحويل الزيادات المالية إلى تحسن ملموس في جودة الخدمات، ومعالجة الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات والبنيات التحتية.
وفي موازاة ذلك، تراهن الحكومة على رفع حجم الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم خلال سنة 2027، غير أن هذا الرقم يشمل مجموع استثمارات مختلف مكونات القطاع العام، ولا يقتصر على اعتمادات الاستثمار المدرجة مباشرة في الميزانية العامة، والمحددة في 138.03 مليار درهم، وهو تمييز أساسي عند تقييم حجم الموارد التي تتحكم فيها الميزانية المركزية بصورة مباشرة.
وتتجه الأنظار كذلك إلى المردودية الفعلية لهذه الاستثمارات، ومدى قدرتها على إنتاج قيمة اقتصادية مضافة وتوسيع فرص التشغيل وتعزيز الموارد الجبائية، خصوصاً أن ارتفاع حجم الاعتمادات المرصودة لا يشكل وحده ضمانة لتحقيق النتائج المنتظرة، ما لم يقترن بسرعة الإنجاز وجودة التدبير والحكامة الجيدة والتوزيع المجالي المتوازن للمشاريع.
وتستند الحكومة، في المقابل، إلى توقعات بتحسن بعض المؤشرات المالية، من خلال استهداف خفض نسبة المديونية إلى الناتج الداخلي الخام من 67.5 في المائة سنة 2026 إلى 66.9 في المائة سنة 2027، إلى جانب حصر عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، غير أن هذه المؤشرات لا تقدم بمفردها صورة كاملة عن الأعباء السنوية التي تتحملها الخزينة بسبب الفوائد وأقساط الديون.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين نسبة المديونية الإجمالية وكلفة خدمتها السنوية، إذ إن تراجع نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الخام لا يعني بالضرورة انخفاض المبالغ التي يتعين على الدولة أداؤها خلال السنة، كما لا يجيب عن سؤال مدى نجاح الاقتراضات السابقة في تمويل مشاريع منتجة قادرة على تعزيز النمو وتوفير موارد جديدة للخزينة.
وتضع هذه المعطيات مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام اختبار يتجاوز مجرد الإعلان عن اعتمادات إضافية للصحة والتعليم والاستثمار، ليمتد إلى تقييم الاختيارات المالية التي راكمت التزامات ثقيلة على الميزانية، ومدى قدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين الوفاء بالديون وتمويل البرامج الاجتماعية والتنموية.
وتنتهي هذه المقارنة إلى سؤال اقتصادي ومالي محوري يفرض نفسه على النقاش حول ميزانية السنة المقبلة: ما حجم القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها الاقتراضات السابقة مقابل أكثر من 115 مليار درهم ستخصصها الدولة خلال سنة 2027 لخدمة ديونها، في وقت ما تزال فيه انتظارات المواطنين بشأن التشغيل والصحة والتعليم وتحسين ظروف العيش تشكل أحد أبرز التحديات المطروحة أمام السياسات العمومية؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك