أوروبا تهرب إلى المغرب وأزمة الأسمدة تُشعل الأسعار

أوروبا تهرب إلى المغرب وأزمة الأسمدة تُشعل الأسعار
اقتصاد / السبت 22 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

تتجه أسواق الأسمدة في أوروبا نحو مرحلة أكثر اضطراباً، بعدما بدأت تداعيات ارتفاع تكاليف الإنتاج وتوقف عدد من المصانع الكبرى تضغط بقوة على الإمدادات، في وقت يبرز فيه المغرب كأحد أبرز المستفيدين من إعادة ترتيب خريطة التوريد داخل القارة.

ووفق معطيات نقلتها وكالة «أرجوس» البريطانية، فإن تعليق نشاط مصنع «ليفوسا» المتخصص في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية في ليتوانيا، والتابع لمجموعة «يوروكيم»، دفع المشترين الأوروبيين إلى البحث عن بدائل خارجية لتغطية حاجياتهم، في ظل صعوبة الحفاظ على مستويات الإنتاج السابقة بسبب الارتفاع الحاد في تكاليف المواد الأولية.

وتكمن أهمية المصنع الليتواني في حجم إنتاجه، إذ تصل قدرته السنوية إلى نحو مليون طن من أسمدة DAP وMAP وNPS، إضافة إلى حوالي 220 ألف طن من فوسفات الأعلاف و35 ألف طن من فوسفات أحادي الأمونيوم الموجه للاستخدامات التقنية. وبالتالي، فإن توقف هذه المنشأة يترك فجوة مهمة في السوق، في وقت تعاني فيه أوروبا أصلاً من ضغوط مرتبطة بأسعار الطاقة والمواد الخام وتكاليف النقل.

ومع تقلص الإنتاج المحلي، تتجه أنظار المستوردين بشكل متزايد نحو المغرب، الذي يمتلك قاعدة ضخمة لصناعة الأسمدة الفوسفاتية وقدرات تصديرية جعلته لاعباً مركزياً في السوق الدولية. ويأتي هذا التحول في وقت بات فيه تأمين الإمدادات يمثل تحدياً استراتيجياً بالنسبة إلى عدد من الدول الأوروبية، وليس مجرد مسألة تجارية مرتبطة بالأسعار.

وتبدو أوكرانيا من بين أكثر الأسواق تعرضاً للضغط، بعدما شهدت أسعار بعض الأسمدة ارتفاعاً ملحوظاً رغم بقاء مستويات الطلب، في الفترة الحالية، ضمن نطاق معتدل. وتزيد المشاكل اللوجستية من تعقيد الوضع، خصوصاً مع استمرار الاضطرابات التي تؤثر على طرق النقل والتجارة في المنطقة.

وتواجه عمليات نقل الأسمدة عبر نهر الدانوب بدورها صعوبات متزايدة، في ظل الهجمات الروسية التي طالت منطقة أوديسا على ساحل البحر الأسود، الأمر الذي يزيد مخاطر الشحن ويرفع تكلفة وصول المنتجات الزراعية والأسمدة إلى الأسواق الأوكرانية.

وفي الجهة المقابلة، بدأت شركات بولندية كبرى في رفع أسعار منتجاتها، في خطوة تضيف ضغطاً جديداً على السوق الأوروبية. ومن بين الشركات التي عدلت قوائم أسعارها شركتا «Siarczopol» و«FOSFAN»، حيث ارتفع سعر بيع سماد السوبر فوسفات بأكثر من 19 في المائة خلال الأسبوع الماضي.

ولا تبدو هذه التطورات معزولة عن التحولات الكبرى التي تضرب تجارة الأسمدة عالمياً. فقد حذر الاتحاد الدولي لصناعة الأسمدة، في تقرير صدر الشهر الماضي، من أن الاضطرابات الجيوسياسية وإعادة رسم طرق التجارة الدولية تعيدان تشكيل سوق الأسمدة بصورة متسارعة.

وأشار التقرير إلى أن نحو 5.5 ملايين طن من الإنتاج العالمي لليوريا تعطلت حتى الآن بسبب الصراع الدائر في الشرق الأوسط، ما يفاقم الضغوط على الأسواق ويجبر المشترين على البحث عن مصادر بديلة أكثر استقراراً.

وفي خضم هذه الفوضى التجارية، بات المغرب والولايات المتحدة وكندا ضمن الوجهات التي يتجه إليها المشترون لتعويض النقص وتأمين احتياجاتهم. كما اضطرت شركات النقل البحري إلى اعتماد طرق أطول وأكثر حذراً، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة الشحن وأسعار المنتجات عند وصولها إلى المستوردين.

ويمنح هذا الوضع المغرب موقعاً قوياً في معادلة تتجاوز مجرد تصدير الأسمدة، إذ يجد المنتجون المغاربة أنفسهم أمام طلب أوروبي متزايد في وقت تتراجع فيه قدرة بعض المصانع الأوروبية على المنافسة بسبب ارتفاع كلفة المواد الخام والطاقة.

ومع استمرار إغلاق المصانع وارتفاع الأسعار واضطراب طرق الملاحة والتجارة، تبدو سوق الأسمدة الأوروبية أمام اختبار حقيقي لأمن الإمدادات. وفي المقابل، يزداد وزن المغرب داخل هذه المعادلة، بعدما أصبح الاعتماد على وارداته خياراً متزايد الحضور لدى المشترين الباحثين عن مصادر بديلة في سوق عالمية تعيد الحروب والأزمات رسم خريطتها يوماً بعد آخر.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك