مغاربة العالم بين تحويل الأموال وحلم الاستثمار في وطن يبحث عن ثقتهم

مغاربة العالم بين تحويل الأموال وحلم الاستثمار في وطن يبحث عن ثقتهم
اقتصاد / الأحد 09 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:عزيز . م

يشكل مغاربة العالم قوة اجتماعية واقتصادية مهمة للمغرب، ليس فقط بسبب التحويلات المالية التي يرسلونها إلى أسرهم، وإنما أيضاً بفضل الكفاءات والخبرات والعلاقات الاقتصادية التي راكموها في بلدان الإقامة، غير أن النقاش حول علاقتهم بالمغرب يتجه بشكل متزايد نحو سؤال أساسي يتمثل في كيفية تحويل هذه الإمكانات إلى استثمارات ومشاريع تساهم في خلق فرص العمل والتنمية.

تظل تحويلات مغاربة العالم مصدراً مهماً لدعم آلاف الأسر المغربية، إذ تساعد على تغطية تكاليف السكن والتعليم والصحة والاستهلاك اليومي، كما تساهم في تحريك الاقتصاد المحلي في العديد من المدن والقرى، غير أن الاعتماد على التحويلات باعتبارها مورداً مالياً فقط لا يعكس الإمكانات الحقيقية التي يمثلها مغاربة العالم.

ويضم مغاربة العالم عدداً كبيراً من المهندسين والأطباء والباحثين وأصحاب المقاولات والمستثمرين والمهنيين في قطاعات مختلفة، وهو ما يجعلهم يتوفرون على رأسمال بشري يمكن أن يساهم في نقل الخبرات والتكنولوجيا وفتح الأسواق أمام المنتجات المغربية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين المغرب وبلدان الإقامة.

لكن الانتقال من تحويل الأموال إلى الاستثمار لا يبدو دائماً أمراً سهلاً، إذ يواجه بعض أفراد الجالية مجموعة من العراقيل المرتبطة بالإجراءات الإدارية وتعقيد المساطر وطول آجال معالجة الملفات، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بالحصول على المعلومات الدقيقة والمواكبة الضرورية لإنجاح المشاريع.

ويحتاج المستثمر المقيم بالخارج إلى وضوح في القوانين وسرعة في الإجراءات واستقرار في القواعد المنظمة للاستثمار، كما يحتاج إلى جهة واضحة تقدم له المعلومات والمساعدة منذ مرحلة الفكرة إلى غاية إطلاق المشروع، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يعيشون بشكل دائم داخل المغرب ولا يستطيعون متابعة الإجراءات اليومية بأنفسهم.

وتزداد أهمية هذا الموضوع بالنسبة إلى الشباب من مغاربة العالم الذين يمتلكون أفكاراً ومهارات وتجارب مهنية اكتسبوها في الخارج، ويمكن لهذه الفئة أن تلعب دوراً مهماً في تطوير قطاعات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة والصناعة والخدمات والابتكار.

كما أن الاستثمار لا ينبغي أن يقتصر على المشاريع الكبرى، فالمشاريع الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في خلق فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى مزيد من الاستثمارات وفرص العمل.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً حول كيفية جعل الاستثمار أكثر انتشاراً جغرافياً، لأن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي يتركز في المدن الكبرى، بينما تحتاج المناطق القروية والجبلية والمناطق الأقل استفادة من التنمية إلى مشاريع توفر فرص العمل وتحد من الهجرة الداخلية والخارجية.

ويملك العديد من أفراد الجالية ارتباطاً قوياً بمناطقهم الأصلية، وهو ما يمكن أن يشكل فرصة لدعم مشاريع محلية في مجالات الفلاحة والسياحة والصناعة التقليدية والخدمات، شريطة توفير الظروف القانونية والاقتصادية التي تجعل هذه المشاريع قابلة للاستمرار.

ولا يتعلق الأمر بالمال فقط، فمغاربة العالم يستطيعون أيضاً نقل المعرفة والخبرة المهنية إلى المغرب من خلال الشراكات والتكوين والاستشارات وإنشاء مراكز للبحث والتطوير والتعاون بين الجامعات والشركات المغربية والمؤسسات الأجنبية التي يعملون فيها.

كما يمكن للكفاءات المغربية بالخارج أن تساهم في ربط الشركات المغربية بالأسواق الدولية، وفتح قنوات جديدة للتصدير، وجذب المستثمرين الأجانب، وتعزيز حضور المقاولات المغربية في سلاسل الإنتاج العالمية.

وتظل الثقة عنصراً أساسياً في العلاقة بين المستثمر ومؤسسات الدولة، فكلما كانت المساطر واضحة وسريعة وشفافة، زادت رغبة المستثمر في توجيه أمواله نحو مشاريع طويلة الأمد، بينما يمكن أن تؤدي التعقيدات الإدارية وعدم وضوح الإجراءات إلى دفع بعض الأشخاص إلى الاكتفاء بإرسال الأموال إلى أسرهم بدلاً من المخاطرة باستثمارها.

ويحتاج مغاربة العالم أيضاً إلى معلومات دقيقة حول الفرص الاستثمارية المتاحة، والقطاعات التي تحتاج إلى استثمارات، والحوافز الموجودة، وشروط الاستفادة منها، والمخاطر المرتبطة بكل مشروع، لأن القرار الاستثماري يحتاج إلى معطيات واضحة وليس فقط إلى خطاب عام حول تشجيع الجالية على الاستثمار.

ومن جهة أخرى، فإن تسهيل الاستثمار لا يعني إعفاء المستثمر من القواعد والضوابط، بل يعني جعل القواعد واضحة وتطبيقها بشكل متساو على الجميع، مع توفير آليات فعالة لحل النزاعات وحماية الحقوق وتشجيع المشاريع التي تحقق قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع.

ويظل البعد الاجتماعي حاضراً بقوة في هذا الملف، لأن نجاح استثمارات مغاربة العالم يمكن أن يساهم في خلق فرص العمل للشباب وتحسين مستوى الدخل وتنشيط المدن والمناطق التي تستقبل المشاريع، كما يمكن أن يساعد على تقليص الاعتماد على الهجرة باعتبارها الخيار الوحيد أمام الباحثين عن العمل.

كما يمكن للاستثمار القادم من الجالية أن يساهم في تطوير الخدمات المحلية، خصوصاً إذا تم توجيهه نحو قطاعات مثل الصحة والتعليم والسياحة والخدمات الرقمية والطاقة المتجددة والفلاحة الحديثة، وهي مجالات يمكن أن تخلق فرصاً اقتصادية وتحقق أثراً اجتماعياً في الوقت نفسه.

ويحتاج المغرب في هذا السياق إلى تعزيز العلاقة مع مغاربة العالم باعتبارهم شركاء في التنمية وليسوا فقط مصدراً للتحويلات، وهو ما يتطلب الاستماع إلى مشاكلهم ومقترحاتهم وإشراكهم في النقاش حول السياسات العمومية التي تهم استثماراتهم ومستقبل علاقتهم بالبلد.

وتبقى الجالية المغربية في الخارج مرتبطة بالمغرب بروابط عائلية وثقافية واجتماعية قوية، لكن الحفاظ على هذه العلاقة وتعزيزها يتطلب أكثر من الخطابات والمناسبات، إذ يحتاج إلى سياسات عملية تجعل المواطن المغربي المقيم بالخارج يشعر بأن استثماره في بلده يمكن أن يكون ناجحاً وآمناً ومفيداً له وللمجتمع.

إن الانتقال من منطق تحويل الأموال إلى منطق الاستثمار والشراكة الاقتصادية يمكن أن يشكل فرصة كبيرة للمغرب، لكنه يحتاج إلى بيئة أعمال واضحة وإدارة فعالة ومواكبة مستمرة وثقة متبادلة، لأن الأموال وحدها لا تصنع التنمية وإنما تحتاج إلى مؤسسات وقواعد وفرص حقيقية.

وفي الوقت الذي يبحث فيه المغرب عن موارد جديدة للنمو وخلق فرص العمل، يمكن لمغاربة العالم أن يشكلوا أحد أهم مصادر الاستثمار والخبرة والمعرفة، شرط أن تتحول العلاقة معهم من علاقة مالية مرتبطة بالتحويلات إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد تضع الكفاءات والاستثمارات والخبرات المغربية في الخارج في قلب عملية التنمية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك