أنتلجنسيا:أبو آلاء
كشفت الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية أن مالية الدولة دخلت منعطفاً أكثر تعقيداً خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، بعدما ارتفع عجز الميزانية إلى مستويات جديدة تجاوزت 30 مليار درهم مع نهاية شهر ماي، في مؤشر يعكس تسارع وتيرة الإنفاق العمومي بوتيرة تفوق نمو الموارد المالية، ويطرح أسئلة متزايدة حول قدرة الحكومة على احتواء الضغوط المالية المتراكمة.
ووفق المعطيات المعلنة، بلغ العجز المالي 30,1 مليار درهم عند متم ماي 2026، مقابل 26,7 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، ما يعني اتساع الفجوة المالية بمليارات إضافية في ظرف سنة واحدة فقط، رغم استمرار ارتفاع المداخيل الجبائية وغير الجبائية.
وتشير الأرقام إلى أن خزينة الدولة استفادت من زيادة مهمة في الموارد المالية تجاوزت 13 مليار درهم مقارنة بالسنة الماضية، غير أن هذه الزيادة لم تكن كافية لمواكبة الارتفاع المتسارع للنفقات العمومية التي قفزت بأكثر من 16 مليار درهم، وهو ما أدى إلى تفاقم الاختلال بين الإيرادات والمصاريف.
ورغم أن المداخيل الجبائية واصلت منحاها التصاعدي وسجلت مستويات تحصيل مهمة، فإن حجم الالتزامات المالية المفروضة على الدولة استمر في الارتفاع بوتيرة أكبر، خصوصاً على مستوى نفقات التسيير والسلع والخدمات، التي استحوذت على حصة كبيرة من الإنفاق العمومي خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة الجارية.
كما تكشف البيانات المالية أن كلفة المديونية لا تزال تمثل عبئاً متزايداً على الميزانية، بعدما ارتفعت فوائد الدين بمعدلات لافتة، ما يعكس استمرار الضغوط المرتبطة بتمويل حاجيات الدولة في ظل بيئة اقتصادية ومالية تتسم بارتفاع كلفة الاقتراض وتزايد متطلبات الإنفاق العمومي.
وفي الوقت الذي حافظت فيه نفقات المقاصة على مستويات شبه مستقرة مقارنة بالسنة الماضية، فإن ذلك لم يمنع النفقات العادية من بلوغ أكثر من 172 مليار درهم، وهو رقم يعكس الحجم المتنامي للأعباء التي تتحملها المالية العمومية في مختلف القطاعات.
ومن أبرز المؤشرات المثيرة للانتباه خلال هذه الفترة، تحول الرصيد العادي للخزينة من فائض تجاوز أربعة مليارات درهم قبل سنة إلى عجز بلغ حوالي 679 مليون درهم، وهو تطور يبرز حجم الضغوط التي أصبحت تمارسها النفقات الجارية على التوازنات المالية للدولة.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن استمرار هذا المنحى قد يدفع الحكومة إلى البحث عن موارد إضافية أو تعزيز آليات الاقتراض لتغطية الحاجيات التمويلية المتزايدة، خصوصاً مع اقتراب نهاية السنة المالية واستمرار الالتزامات المرتبطة بالاستثمار العمومي والبرامج الاجتماعية الكبرى.
ويأتي هذا الوضع في سياق اقتصادي يتسم بتحديات متعددة، تتراوح بين ضغوط التضخم وارتفاع كلفة التمويل وتقلبات الأسواق الدولية، ما يجعل مهمة الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية أكثر تعقيداً خلال المرحلة المقبلة.
وبينما تسجل المداخيل العمومية نمواً ملحوظاً، تكشف الأرقام في المقابل أن آلة الإنفاق العمومي تتحرك بسرعة أكبر، وهو ما يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة عنوانها التحكم في العجز دون المساس بالاستثمارات والمشاريع الاجتماعية. ومع استمرار اتساع الفجوة بين الموارد والنفقات، تبدو الخزينة المغربية أمام اختبار مالي حقيقي قد يفرض قرارات أكثر صرامة للحفاظ على استقرار التوازنات الاقتصادية في الأشهر المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك