التضخم يتراجع والأسعار تشتعل وتقرير رسمي يكشف تفاقم الأزمة المعيشية بالمغرب

التضخم يتراجع والأسعار تشتعل وتقرير رسمي يكشف تفاقم الأزمة المعيشية بالمغرب
اقتصاد / الثلاثاء 11 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

في وقت تتحدث فيه الأرقام الرسمية عن انحسار التضخم، تكشف المعطيات الجديدة أن المغاربة ما زالوا يؤدون فاتورة غلاء ثقيلة أنهكت القدرة الشرائية وعمقت الإحساس بالضغط الاقتصادي داخل آلاف الأسر، وسط استمرار اختلالات بنيوية تضرب سوق الشغل وتحد من استفادة المواطنين من ثمار النمو.

وأفاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره السنوي برسم سنة 2025، بأن معدل التضخم تراجع إلى 0.8 في المائة، غير أن هذا الانخفاض لم ينعكس بالشكل المنتظر على الحياة اليومية للمواطنين، بعدما ظل المستوى العام للأسعار مرتفعاً بأكثر من 15 في المائة مقارنة بسنة 2021، فيما سجلت أسعار المواد الغذائية قفزة بلغت نحو 27 في المائة خلال الفترة نفسها.

ويرى المجلس أن هذا الارتفاع التراكمي للأسعار واصل استنزاف القدرة الشرائية للأسر المغربية، رغم مختلف التدابير الحكومية المعلنة للتخفيف من آثار الغلاء. كما دعا إلى مراجعة فعالية آليات الدعم الموجهة للمواطنين، وتسريع إصلاح منظومة التوزيع والتسويق للقضاء على مظاهر الريع والاحتكار، مع تشديد الرقابة على الممارسات المخلة بالمنافسة وضمان وصول الدعم العمومي إلى الفئات المستهدفة بدل ضياعه في حلقات الوساطة والمضاربة.

وعلى صعيد التشغيل، لم يخف التقرير استمرار الوضع المقلق داخل سوق العمل، حيث اعتبر أن النتائج المسجلة ما تزال بعيدة عن مستوى الانتظارات، رغم التراجع الطفيف لمعدل البطالة إلى 13 في المائة. وأكد أن أزمة الشغل لا تزال تضرب بقوة فئات الشباب والنساء وحاملي الشهادات، في مشهد يعكس استمرار العجز عن توفير فرص إدماج اقتصادي حقيقية لفئات واسعة من المجتمع.

كما كشف التقرير أن هشاشة الاندماج المهني ما تزال واقعاً قائماً، وهو ما تؤكده الزيادة الملحوظة في عدد طالبي الشغل لأول مرة ضمن مجموع العاطلين، إلى جانب وصول متوسط مدة البطالة إلى حوالي 33 شهراً، وهو رقم يعكس حجم الصعوبات التي تواجه الباحثين عن العمل في إيجاد فرص مستقرة.

ولم تتوقف المؤشرات المقلقة عند حدود البطالة، بل امتدت إلى جودة الوظائف نفسها، إذ أشار التقرير إلى أن ما يقارب 46 في المائة من الأجراء لا يتوفرون على عقود عمل مكتوبة، بينما تظل نسبة مهمة من فرص الشغل المتاحة مرتبطة بمستويات تأهيل محدودة، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول جودة التشغيل والاستقرار المهني.

وأكد المجلس أن التحدي الأكبر يتمثل في ضعف قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل النمو والاستثمارات إلى فرص عمل كافية. فبالرغم من التطور الذي عرفته قطاعات التصنيع والاستثمار خلال السنوات الأخيرة، فإن انعكاساتها على التشغيل بقيت محدودة بسبب هيمنة الأنشطة كثيفة رأس المال وضعف الروابط الاقتصادية المحلية، وهو ما يقلص الأثر الإيجابي للنمو على النسيج الإنتاجي الوطني.

كما حذر التقرير من استمرار الاختلالات داخل البنية الاقتصادية للمملكة، حيث يهيمن عدد محدود من المقاولات الكبرى والمتوسطة المندمجة في الأسواق العالمية، مقابل أغلبية ساحقة من المقاولات الصغيرة جداً والصغرى التي تواجه عراقيل متعددة تتعلق بالتمويل وآجال الأداء والولوج إلى الصفقات العمومية والعقار والإجراءات الجبائية، فضلاً عن استمرار توسع القطاع غير المهيكل الذي يساهم بنسبة مهمة من القيمة المضافة خارج القطاع الفلاحي.

واعتبر المجلس أن هذه الوضعية تحد من مكاسب الإنتاجية وتضعف قدرة الاقتصاد على خلق دينامية تنموية شاملة، داعياً إلى تعزيز المحتوى المحلي للإنتاج، ودمج المقاولات الصغيرة في سلاسل القيمة الاقتصادية، وتحسين مناخ الأعمال بشكل يفتح المجال أمام نمو أكثر توازناً واستدامة.

وفي الجانب الترابي، دق التقرير ناقوس الخطر بشأن استمرار التفاوتات المجالية، مشيراً إلى أن ثلاث جهات فقط تستحوذ على ما يقارب 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، بينما تستمر مناطق أخرى في مواجهة مستويات مرتفعة من الهشاشة وضعف فرص التنمية والاستثمار.

وخلص المجلس إلى أن بناء تنمية أكثر عدالة وتوازناً يمر عبر تقليص الفوارق بين الجهات، وتثمين المؤهلات الاقتصادية المحلية، وتوسيع فرص الولوج إلى النشاط الاقتصادي، بما يضمن توزيعاً أكثر إنصافاً لثمار النمو ويعيد الثقة للمواطنين في قدرة السياسات العمومية على تحسين أوضاعهم المعيشية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك