أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
خلف الأرقام اللامعة والبلاغات الاحتفالية التي رافقت العملية التمويلية الأخيرة للمكتب الشريف للفوسفاط، تتصاعد تساؤلات حادة داخل الأوساط الاقتصادية والمالية حول الخلفيات الحقيقية للجوء المجمع إلى إصدار سندات دائمة بقيمة 5 مليارات درهم، في خطوة قدمتها الإدارة على أنها دليل على قوة المؤسسة وثقة المستثمرين، بينما يرى مراقبون أنها تعكس ضغوطاً مالية متزايدة فرضتها تحديات المرحلة وتراجع بعض المؤشرات الأساسية.
فبعد إغلاق عملية الاكتتاب بنجاح، سارعت إدارة المجمع إلى تسويق العملية باعتبارها محطة جديدة في مسار تعزيز قدراتها التمويلية، غير أن معطيات متداولة في أوساط مالية ومحاسباتية تعتبر أن الأمر يتجاوز مجرد تعبئة موارد إضافية، ليعكس محاولة للحفاظ على توازنات مالية دقيقة في ظل تراجع الأرباح وارتفاع متطلبات الاستثمار.
وتشير هذه القراءات إلى أن اللجوء إلى السندات الهجينة الدائمة لم يكن اختياراً تقنياً عادياً، بل آلية مالية تسمح بتعبئة مليارات الدراهم دون احتسابها بالشكل التقليدي ضمن حجم المديونية، وهو ما يمنح المؤسسة هامشاً أكبر للحفاظ على بعض المؤشرات التي تعتمدها وكالات التصنيف الائتماني الدولية عند تقييم الوضع المالي للمؤسسات الكبرى.
وتأتي هذه التطورات في وقت سجلت فيه المجموعة تراجعاً في أرباحها خلال الأشهر الأولى من السنة الجارية، بالتزامن مع استقرار رقم معاملاتها وارتفاع غير مسبوق في حجم الاستثمارات الموجهة إلى مشاريع استراتيجية ضخمة تشمل الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر وتحلية المياه، وهي أوراش تتطلب تمويلات هائلة قبل أن تبدأ في تحقيق مردودية اقتصادية مباشرة.
وترى بعض التحليلات أن الإدارة الحالية للمجمع اختارت خوض سباق توسع استثماري واسع النطاق، ما فرض ضغوطاً متزايدة على السيولة والتمويل، ودفعها إلى البحث عن صيغ مبتكرة لتعبئة الموارد المالية دون التأثير بشكل مباشر على صورة المؤسسة أمام الأسواق الدولية والمقرضين الأجانب.
وفي قلب هذا الجدل، يبرز سؤال آخر يتعلق بالجهات التي استوعبت الجزء الأكبر من هذا الإصدار المالي الضخم، حيث تشير معطيات متداولة إلى مساهمة مؤسسات وصناديق كبرى في إنجاح العملية، من بينها هيئات مرتبطة بالتقاعد والادخار والتأمين، وهو ما فتح الباب أمام نقاش حول طبيعة المخاطر المحتملة التي قد تتحملها الأموال الموجهة أصلاً لحماية معاشات ومدخرات ملايين المواطنين.
كما أثار بند يتيح للمؤسسة إمكانية تأجيل أداء الفوائد للمستثمرين وفق شروط محددة نقاشاً إضافياً حول حدود المخاطرة المقبولة في مثل هذه الأدوات المالية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال ذات طابع اجتماعي واستراتيجي يفترض أن تخضع لأقصى درجات الحذر والضمان.
وعلى مستوى الاقتصاد الوطني، يحذر بعض الخبراء من أن استقطاب مؤسسة عمومية كبرى لجزء مهم من السيولة المتاحة داخل السوق المحلية قد يؤدي إلى تضييق هامش التمويل أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة والقطاع الخاص، وهو ما يعرف اقتصادياً بظاهرة "التزاحم"، حيث تستحوذ المؤسسات الكبرى على الموارد المالية المتوفرة على حساب الفاعلين الاقتصاديين الآخرين.
وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن نجاح مالي يعكس ثقة المستثمرين وقوة المؤسسة، والقراءات النقدية التي تربط العملية بضغوط التمويل وتحديات المديونية والاستثمار، يجد المكتب الشريف للفوسفاط نفسه في قلب نقاش اقتصادي متصاعد حول الكلفة الحقيقية لمشاريع التوسع الكبرى، وحول مدى قدرة المؤسسة على مواصلة تمويل طموحاتها العالمية دون التأثير على التوازنات المالية الداخلية أو استنزاف جزء متزايد من الادخار الوطني.
ومع استمرار الرهان على مشاريع استراتيجية بمليارات الدراهم، يبدو أن الأسئلة الصعبة بدأت تفرض نفسها بقوة: هل يتعلق الأمر بخطوة مالية ذكية لتعزيز القدرات الاستثمارية للمجمع، أم أن العملية تكشف عن ضغوط صامتة تتراكم خلف واجهة النجاح المعلن؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال الذي أصبح يشغل دوائر المال والاستثمار أكثر من أي وقت مضى.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك