أنتلجنسيا:أبو جاسر
خلف الأرقام الوردية التي يجري الترويج لها بشأن محصول الحبوب هذا الموسم، تتكشف صورة مقلقة لقطاع فلاحي يبدو عاجزاً عن استيعاب نتائج موسم مطري جيد، بعدما تحولت الوفرة المنتظرة إلى اختبار صعب كشف هشاشة البنية الفلاحية وأعاد إلى الواجهة أسئلة محرجة حول حصيلة سنوات طويلة من الاستراتيجيات الزراعية التي استهلكت مليارات الدراهم دون أن تحقق التحول المنشود.
فبينما تتحدث الجهات الرسمية عن إنتاج يقترب من تسعة ملايين طن من الحبوب، يعيش عدد كبير من الفلاحين سباقاً مرهقاً مع الزمن بسبب محدودية وسائل الحصاد ونقص التجهيزات اللازمة لاستيعاب هذا المحصول، في مشهد يعكس اختلالات عميقة لم تستطع الأمطار الغزيرة إخفاءها، بل ساهمت في كشفها بشكل أوضح من أي وقت مضى.
الواقع الميداني يبرز أن القطاع لم يكن مستعداً لموسم استثنائي بهذا الحجم، حيث اصطدمت وفرة الإنتاج بضعف القدرات اللوجستية والميكانيكية، ما أدى إلى بطء عمليات الحصاد وارتفاع المخاوف من ضياع جزء من المحاصيل قبل وصولها إلى الأسواق أو مراكز التجميع.
ويعيد هذا الوضع الجدل حول الخيارات التي حكمت السياسة الفلاحية خلال العقدين الماضيين، بعدما تم توجيه جزء كبير من الاستثمارات والدعم نحو الزراعات التصديرية ذات القيمة التجارية المرتفعة، مثل الفواكه الحمراء والأفوكادو والحوامض، في حين ظلت زراعة الحبوب، التي تشكل أساس الأمن الغذائي الوطني، تعاني من محدودية المواكبة وضعف التأهيل والتجهيز.
هذا التفاوت خلق قطاعين داخل الفلاحة المغربية؛ أحدهما حديث ومجهز ويحظى بتمويل كبير، والآخر يضم آلاف المنتجين الصغار والمتوسطين الذين وجدوا أنفسهم اليوم مطالبين بحصد محاصيل وفيرة بوسائل متقادمة وإمكانات محدودة، بعد سنوات متتالية من الجفاف استنزفت قدراتهم المالية وأضعفت قدرتهم على الاستثمار في المعدات الحديثة.
ويرى متتبعون للشأن الفلاحي أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بنقص آلات الحصاد، بل تكشف أيضاً محدودية فعالية السياسات التي رفعت شعار السيادة الغذائية دون أن تنجح في بناء منظومة متكاملة تضمن للفلاح الصغير الولوج العادل إلى التمويل والتكنولوجيا والتجهيزات الضرورية.
وتتجاوز التحديات المطروحة مسألة الكميات المنتجة لتشمل جودة الحبوب نفسها، حيث يواجه القمح المحلي صعوبات مرتبطة بنسبة البروتين، وهو ما يحد من قدرته على تلبية متطلبات بعض الصناعات الغذائية دون اللجوء إلى مزجه بكميات من القمح المستورد، الأمر الذي يبقي التبعية للأسواق الخارجية قائمة رغم تحسن الإنتاج.
كما تطرح تكاليف الأسمدة ومستلزمات الإنتاج بدورها علامات استفهام كبيرة، خصوصاً في ظل الارتفاع العالمي للأسعار، ما أثر على مردودية العديد من الضيعات وعلى جودة المحاصيل، رغم المكانة الدولية للمغرب في قطاع الفوسفاط.
ومن قلب المناطق الفلاحية، تتعالى أصوات المنتجين الصغار الذين يشتكون من صعوبة تلبية شروط التسويق والتجميع المفروضة من بعض الفاعلين في السوق، في وقت يعانون فيه من نقص اليد العاملة وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف وسائل الحصاد. وأمام هذه المعادلة المعقدة، يجد بعض الفلاحين أنفسهم مضطرين إلى تخزين جزء من محاصيلهم أو توجيهها نحو الأعلاف الحيوانية بدل بيعها بأسعار يعتبرونها غير كافية لتغطية النفقات.
وفي الوقت الذي تحتفي فيه الخطابات الرسمية بأرقام الإنتاج، تكشف الوقائع أن أزمة القطاع أعمق من مجرد وفرة أو ندرة في الأمطار، وأن مستقبل الأمن الغذائي بالمغرب يظل رهيناً بإصلاحات هيكلية حقيقية تعيد الاعتبار لزراعة الحبوب وتوفر للفلاحين الوسائل الكفيلة بتحويل المواسم الجيدة إلى مكاسب اقتصادية فعلية، بدل أن تتحول إلى عبء جديد يكشف أعطاب المنظومة الفلاحية ويعيد فتح ملفات مؤجلة منذ سنوات.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك