البطالة بالمغرب:من نصدق؟ المندوبية تتحدث عن 9.5% والجواهري يدق ناقوس 13%

البطالة بالمغرب:من نصدق؟ المندوبية تتحدث عن 9.5% والجواهري يدق ناقوس 13%
اقتصاد / الثلاثاء 04 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

 أعادت المعطيات التي قدمها والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري أمام الملك محمد السادس فتح باب الجدل بقوة حول حقيقة البطالة في البلاد، بعدما تحدث تقرير البنك المركزي عن معدل يلامس 13 في المائة، بينما تؤكد المندوبية السامية للتخطيط أن النسبة استقرت عند 9,5 في المائة فقط خلال الفصل الثاني من سنة 2026.

هذا التباين اللافت بين مؤسستين رسميتين يثير تساؤلات عميقة حول المنهجيات المعتمدة في احتساب البطالة، لكنه يطرح قبل ذلك سؤالاً أكثر إلحاحاً: أين هي آثار هذا التحسن المعلن في حياة المغاربة اليومية؟ فبينما تتحدث المندوبية عن تراجع البطالة وانخفاض عدد العاطلين بأكثر من 132 ألف شخص خلال ثلاثة أشهر فقط، لا يزال الواقع الاجتماعي يعكس صورة مختلفة تماماً، سواء من خلال طوابير الباحثين عن العمل، أو موجات الهجرة المتصاعدة، أو الاحتجاجات المتكررة لحاملي الشهادات، أو الشكاوى المتزايدة من صعوبة الولوج إلى فرص الشغل المستقرة.

ووفق المعطيات التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط، فقد استقر معدل البطالة بالمفهوم الضيق عند 9,5 في المائة، مسجلاً 11,9 في المائة في المدن و5,4 في المائة في القرى. كما أكدت المؤسسة أن النسبة تراجعت مقارنة بالفصل الأول من السنة الجارية، وأن مختلف الفئات العمرية استفادت من هذا الانخفاض، بما في ذلك الشباب الذين تراجعت بطالتهم من 29,2 إلى 27,2 في المائة.

غير أن هذه الأرقام، رغم طابعها الإيجابي، تصطدم بمعطيات أخرى لا تقل رسمية. فتقرير والي بنك المغرب المرفوع إلى الملك تحدث عن معدل بطالة يقترب من 13 في المائة، وهو رقم أعلى بكثير من النسبة التي تقدمها المندوبية، ما يعكس وجود فجوة واضحة بين القراءات الإحصائية المختلفة لوضعية سوق الشغل بالمملكة.

ويعتبر متابعون أن الإشكال لا يكمن فقط في الأرقام، بل في تعريف "العاطل" نفسه. فالمندوبية تعتمد ما يسمى "البطالة بالمفهوم الضيق"، وهو معيار يستثني فئات واسعة من الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن العمل بسبب اليأس أو الذين يشتغلون لساعات قليلة جداً أو في وظائف هشة وغير مستقرة. ولهذا السبب تلجأ المؤسسة نفسها إلى نشر مؤشرات مركبة أخرى تظهر صورة أقل تفاؤلاً، حيث يصل المعدل المركب للبطالة والقوة العاملة المحتملة إلى 14,7 في المائة، بينما يبلغ المعدل المركب للبطالة والشغل الناقص 14 في المائة.

وتكشف الأرقام ذاتها أن الأزمة ما تزال تضرب بقوة فئات واسعة من المجتمع. فالبطالة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة ما تزال تتجاوز 27 في المائة، بينما تصل إلى 14,8 في المائة لدى النساء، وتبلغ 16,7 في المائة بين حاملي الشهادات العليا، وهي معطيات تؤكد أن الفئات الأكثر تعليماً وشباباً تظل الأكثر معاناة في سوق الشغل.

وإذا كانت المندوبية تتحدث عن وجود مليون و121 ألف عاطل فقط وفق مفهومها الضيق، فإن المعطيات المتعلقة بالقوة العاملة المحتملة والشغل الناقص تكشف أن حجم الهشاشة المرتبطة بالتشغيل أكبر بكثير مما تعكسه النسبة الرسمية المتداولة. فهناك أكثر من 711 ألف شخص يصنفون ضمن القوة العاملة المحتملة، إضافة إلى أكثر من نصف مليون شخص يعيشون وضعية الشغل الناقص، ما يعني أن مئات الآلاف من المغاربة يوجدون عملياً على هامش سوق الشغل أو داخله بشروط غير مستقرة.

ويزداد الجدل حدة عندما يتم إسقاط هذه الأرقام على الواقع اليومي. فالمواطن الذي يتابع أخبار الهجرة الجماعية نحو سبتة أو يرى آلاف الشباب يتنافسون على عشرات المناصب في مباريات التوظيف العمومي، أو يلاحظ الانتشار المتزايد للعمل الهش والمؤقت، يجد صعوبة في استيعاب صورة سوق شغل يقال إنها تشهد تحسناً ملموساً.

وبين تفاؤل المندوبية وتحذيرات بنك المغرب، يبدو أن الحقيقة الكاملة لسوق الشغل المغربي توجد في منطقة وسطى بين الأرقام والإحساس الاجتماعي العام. فالمغاربة لا يقيسون البطالة فقط بالمؤشرات الإحصائية، بل بما يلمسونه يومياً في الأحياء والجامعات والمقاهي ومكاتب التشغيل، حيث ما يزال الحصول على فرصة عمل مستقرة يمثل تحدياً حقيقياً لآلاف الأسر والشباب.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كانت البطالة قد تراجعت فعلاً إلى أقل من 10 في المائة، كما تقول المندوبية السامية للتخطيط، فلماذا لا يشعر المغاربة بهذا التحسن في حياتهم اليومية؟ ولماذا يواصل بنك المغرب التحذير من مستويات بطالة تلامس 13 في المائة؟ سؤال يعيد النقاش إلى جوهره الحقيقي: الأهم من الأرقام هو قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل حقيقية ودائمة تنعكس مباشرة على معيش المواطنين، لا فقط على الجداول الإحصائية والتقارير الرسمية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك