أنتلجنسيا:أبو آلاء
قررت وزارة الداخلية وضع حد لممارسات ظلت لسنوات تثير الجدل وتفتح أبواب النزاعات أمام المحاكم، بعدما أطلقت تعليمات صارمة إلى مختلف ولاة الجهات وعمال الأقاليم والعمالات من أجل وقف أي إشهاد على وثائق عرفية تتعلق بالتصرف في العقارات خارج المساطر القانونية المعمول بها.
القرار الجديد يعكس توجهاً واضحاً نحو تشديد الرقابة على المعاملات العقارية وحماية حقوق الملكية من كل أشكال الالتفاف أو التحايل التي كانت تتم عبر محررات ووثائق لا تستجيب للشروط القانونية المفروضة في مجال الحقوق العينية. فوزارة الداخلية تعتبر أن أي تساهل في هذا الملف لا يهدد فقط مصالح الأفراد، بل يمس بشكل مباشر استقرار المعاملات العقارية ويقوض الثقة في المنظومة القانونية المنظمة للملكية.
وتشير التوجيهات الجديدة إلى أن بعض الأطراف ما زالت تلجأ إلى إعداد وثائق عرفية تتضمن التزامات أو إقرارات أو اتفاقات مرتبطة بنقل أو تعديل أو ترتيب حقوق عينية عقارية، في محاولة لإضفاء طابع قانوني على معاملات لا تستوفي الشروط التي يفرضها القانون المغربي. وهو ما دفع السلطات إلى التدخل بقوة لوضع حد لهذه الظاهرة التي ظلت تشكل مصدر نزاعات ومشاكل قانونية معقدة.
وترى وزارة الداخلية أن النصوص التشريعية الجاري بها العمل واضحة ولا تترك أي مجال للتأويل، إذ تشترط توثيق التصرفات العقارية وفق أشكال قانونية محددة عبر موثقين أو عدول أو محامين مؤهلين قانوناً لتحرير هذا النوع من العقود، تحت طائلة البطلان. وبالتالي فإن أي محاولة للالتفاف على هذه المقتضيات تعتبر مخالفة صريحة للقانون ولا يمكن للإدارة أن تمنحها أي مظهر من مظاهر المشروعية.
وتحمل الدورية الصادرة في هذا الشأن لهجة غير مسبوقة من الحزم، حيث تؤكد أن مهمة الإشهاد على صحة الإمضاء لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة غير مباشرة لمنح الشرعية لوثائق أو تصرفات تتعارض مع النظام العام. فالإدارة، وفق هذا التوجه، مطالبة ليس فقط بالتحقق من هوية الموقعين، بل أيضاً بالامتناع عن التعامل مع أي محررات تتضمن مضامين مخالفة للمقتضيات القانونية المنظمة للحقوق العينية.
وتخشى السلطات من أن يؤدي التساهل مع مثل هذه الوثائق إلى تكريس أوضاع قانونية مشوهة وخلق نزاعات عقارية قد تمتد لسنوات داخل أروقة المحاكم، خصوصاً أن العديد من القضايا العقارية المعروضة على القضاء تنطلق أساساً من وثائق عرفية أو اتفاقات لا تستند إلى الأساس القانوني المطلوب.
كما شددت التعليمات الجديدة على ضرورة رفض أي طلب للإشهاد على الإمضاء إذا تبين أن الوثيقة المعروضة تهدف بشكل مباشر أو غير مباشر إلى نقل ملكية عقار أو ترتيب حق عيني أو الإقرار به خارج القنوات القانونية المحددة. ولم تكتف الوزارة بذلك، بل طالبت أيضاً بتبرير قرارات الرفض بشكل قانوني واضح ومفصل حتى تكون الإدارة محصنة أمام أي طعون أو نزاعات محتملة.
ويبدو أن الرسالة الأبرز التي تحملها هذه الخطوة تتمثل في الانتقال من مرحلة التنبيه إلى مرحلة المحاسبة. فالدورية حذرت بشكل صريح من أن أي موظف أو مسؤول يتجاهل هذه التوجيهات ويقدم على الإشهاد على وثائق مخالفة للقانون قد يجد نفسه أمام مساءلات إدارية وتأديبية صارمة، إضافة إلى ما قد يترتب عن ذلك من تبعات ومسؤوليات أخرى.
ويرى متابعون أن هذا التحرك يأتي في سياق أوسع يهدف إلى تعزيز الأمن العقاري ومحاربة مختلف مظاهر الفوضى التي تسللت إلى بعض المعاملات العقارية خلال السنوات الماضية، خاصة مع ارتفاع قيمة العقارات وتزايد النزاعات المرتبطة بالملكية والحقوق العينية.
كما يعكس القرار رغبة الدولة في قطع الطريق أمام كل الأساليب التي تستغل الثغرات الإدارية أو جهل بعض المواطنين بالمقتضيات القانونية من أجل تمرير معاملات قد تتحول لاحقاً إلى قنابل قانونية موقوتة. فحماية الملكية الخاصة لم تعد مجرد مسألة إجرائية، بل أصبحت رهاناً استراتيجياً يرتبط بجاذبية الاستثمار واستقرار المعاملات الاقتصادية والاجتماعية.
ومع دخول هذه التعليمات حيز التنفيذ، يبدو أن مرحلة جديدة بدأت في تدبير الملفات العقارية بالمغرب، عنوانها الصرامة القانونية وعدم التساهل مع أي محاولة للالتفاف على القواعد المنظمة للملكية. وهي رسالة واضحة مفادها أن زمن تمرير التصرفات العقارية عبر وثائق عرفية خارج الأطر القانونية يقترب من نهايته، وأن الدولة عازمة على إحكام قبضتها على واحد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في حياة المواطنين والاقتصاد الوطني.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك