المغرب يُنهي سنوات من احتكار الدولة لـ"بريد بنك" ويُعبد الطريق أمام خصخصة المؤسسة البنكية

المغرب يُنهي سنوات من احتكار الدولة لـ"بريد بنك" ويُعبد الطريق أمام خصخصة المؤسسة البنكية
اقتصاد / الثلاثاء 17 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

في تحول اقتصادي لافت يعكس حجم التحولات الرقمية المتسارعة، تتجه المغرب نحو كسر واحد من أقدم أشكال الاحتكار في قطاع البريد، عبر تعديل قانوني مرتقب يفتح الباب أمام شركات القطاع الخاص لدخول مجال ظل لعقود تحت سيطرة بريد المغرب، في خطوة تحمل أبعادا اقتصادية وتنافسية عميقة.

المبادرة التي تقودها وزارة الصناعة والتجارة لا تقتصر على تحديث نص قانوني يعود إلى سنة 1996، بل تعكس اعترافا رسميا بأن واقع السوق تغيّر جذريا، خاصة مع الانفجار الكبير الذي يشهده قطاع التجارة الإلكترونية، والذي تجاوز حجمه مليارات الدولارات مع معدلات نمو قياسية، ما جعل الإطار القانوني الحالي عاجزا عن مواكبة التحولات.

جوهر الإصلاح يتمثل في تقليص الامتياز الحصري الذي كانت تتمتع به بريد المغرب في خدمات الطرود الصغيرة، وفتح هذا المجال أمام الفاعلين الخواص وفق نظام ترخيص منظم، وهو ما يعني عمليا نهاية مرحلة الاحتكار المطلق وبداية مرحلة تنافس مشروط. غير أن هذا الانفتاح لن يكون مجانيا، إذ ستُفرض على الشركات الخاصة رسوم أو عمولات لفائدة المؤسسة العمومية، في محاولة للحفاظ على توازنها المالي وسط تراجع نموذجها التقليدي.

الخطوة تأتي بعد سنوات من التوتر غير المعلن بين الدولة وشركات التوصيل الخاصة، التي وجدت نفسها أمام قيود قانونية دفعتها إلى التحايل بطرق مختلفة، من بينها تعديل أوزان الطرود لتفادي العقوبات، في وقت كانت فيه السوق تنمو بوتيرة أسرع من قدرة القوانين على مواكبتها.

ورغم الطابع التحريري للإصلاح، فإن الدولة لم تتخل بالكامل عن قبضتها على القطاع، حيث سيظل عدد من الخدمات، خصوصا الرسائل، حكرا على بريد المغرب، كما سيتم تقييد نشاط الشركات الخاصة داخل الحدود الوطنية، مع منعها من الانخراط في عمليات دولية أو إقامة شراكات مع مشغلين أجانب، وهو ما يكشف عن رغبة في تحرير محسوب لا يصل إلى مستوى الانفتاح الكامل.

الشروط المفروضة للحصول على التراخيص تعكس بدورها توجها نحو انتقاء الفاعلين، إذ يتعين على الشركات إثبات قدرتها المالية واللوجستية، والتوفر على بنية تنظيمية داخل البلاد، إضافة إلى تقديم ضمانات لحماية حقوق الزبناء، ما يشير إلى محاولة خلق سوق منظم بدل فوضى تنافسية.

في العمق، يعكس هذا التحول إدراكا متأخرا بأن اقتصاد “الميل الأخير” لم يعد مجرد نشاط ثانوي، بل أصبح العمود الفقري لمنظومة التجارة الرقمية، وأن استمرار الاحتكار في هذا المجال لم يعد قابلا للاستدامة. وبين رغبة الدولة في الحفاظ على توازن مؤسساتها العمومية وضغط السوق نحو التحرير، يقف المغرب أمام مرحلة انتقالية دقيقة قد تعيد رسم خريطة قطاع التوصيل بالكامل، وتفتح الباب أمام معركة تنافسية شرسة عنوانها السرعة، الجودة، وثقة الزبون.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك