أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
تشهد منظومة الاتصالات في المغرب توسعاً متسارعاً يعكس التحول الرقمي المتنامي داخل المجتمع، بعدما تجاوز عدد خطوط الهاتف المحمول عتبة 59 مليون مشترك مع نهاية سنة 2025، وفق معطيات رسمية كشفتها الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، في مؤشر واضح على اتساع قاعدة المستخدمين واشتداد المنافسة بين الفاعلين في السوق.
الأرقام الصادرة عن الهيئة التنظيمية تشير إلى أن حظيرة الهاتف المحمول بلغت 59,16 مليون مشترك مع متم دجنبر 2025، مقارنة بـ58,28 مليون مشترك خلال الفترة نفسها من سنة 2024، ما يعكس نمواً سنوياً تجاوز 1,5 في المائة. هذا الارتفاع ترافق مع زيادة في معدل النفاذ الذي وصل إلى 160,65 في المائة، وهو رقم يعكس واقعاً بات فيه عدد خطوط الهاتف يتجاوز عدد السكان، في دلالة على انتشار استخدام الشرائح المتعددة لدى الأفراد والمؤسسات.
وتكشف خريطة المنافسة داخل السوق استمرار الصراع الحاد بين شركات الاتصالات الثلاث الكبرى، حيث تمكنت شركة وانا كوربورايت من اعتلاء الصدارة بحصة سوقية بلغت 34,12 في المائة، متقدمة بفارق ضئيل على ميدي تيليكوم التي استحوذت على 33,59 في المائة، فيما جاءت اتصالات المغرب في المرتبة الثالثة بحصة بلغت 32,29 في المائة، وهو تقارب يعكس حدة المنافسة في واحد من أكثر القطاعات الاقتصادية حيوية في البلاد.
ورغم هذا الانتشار الكبير للهاتف المحمول، ما يزال نظام الدفع المسبق يهيمن بشكل واضح على سلوك المستهلكين، إذ يمثل 86 في المائة من إجمالي الاشتراكات، مقابل 14 في المائة فقط لنظام الدفع الآجل. ويعكس هذا الواقع طبيعة السوق المغربية التي ما تزال تعتمد بشكل واسع على الاستهلاك المرن والخدمات منخفضة الالتزام المالي.
في المقابل، سجلت حركة المكالمات الصوتية عبر الهاتف المحمول تراجعاً ملحوظاً خلال الفصل الرابع من سنة 2025، حيث انخفض إجمالي الرواج الصوتي إلى نحو 9,472 مليون دقيقة، مقارنة بـ10,282 مليون دقيقة خلال الفصل الثالث من السنة نفسها. كما تراجع متوسط الاستعمال الشهري للمشترك إلى 58 دقيقة فقط، ما يؤشر على تحول تدريجي في أنماط الاستخدام نحو التطبيقات الرقمية وخدمات الاتصال عبر الإنترنت.
التحول نفسه ينعكس أيضاً في تراجع رواج الرسائل النصية القصيرة، التي سجلت بدورها انخفاضاً بنسبة تقارب 3,92 في المائة، بعدما بلغ مجموع الرسائل المرسلة 384 مليون رسالة خلال الفصل الرابع من سنة 2025، وهو تراجع يعكس انتقال المستخدمين نحو منصات التواصل الفوري والتطبيقات الرقمية التي باتت تهيمن على مجال التواصل.
وفي قطاع الهاتف الثابت، تظهر المعطيات اتجاهاً معاكساً نسبياً، إذ ارتفع عدد المشتركين إلى 3,22 مليون مشترك بنهاية 2025، مقابل 3,03 مليون مشترك قبل عام، مسجلاً نمواً سنوياً تجاوز 6 في المائة. كما بلغ معدل النفاذ داخل الأسر نحو 28,70 في المائة، مع استمرار هيمنة اتصالات المغرب على هذا القطاع بحصة سوقية قاربت 51 في المائة، متقدمة على منافسيها.
أما على مستوى الإنترنت، فقد واصل انتشار الشبكة الرقمية ارتفاعه بوتيرة لافتة، حيث بلغ معدل النفاذ إلى الإنترنت 112,59 في المائة مع نهاية 2025، مقارنة بـ109,21 في المائة سنة 2024، في حين لم يكن يتجاوز 74,1 في المائة قبل بضع سنوات فقط. هذه الأرقام تعكس تسارع التحول الرقمي داخل المجتمع المغربي، حيث أصبحت خدمات الاتصال والإنترنت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية والاقتصاد الوطني.
في المحصلة، تكشف هذه المؤشرات أن سوق الاتصالات في المغرب دخل مرحلة جديدة تتسم بتوسع هائل في عدد المستخدمين مقابل تغير عميق في طبيعة الاستعمال، حيث تتراجع المكالمات التقليدية والرسائل النصية لصالح البيانات الرقمية والتطبيقات الذكية. وهو تحول يفرض على الفاعلين في القطاع إعادة رسم استراتيجياتهم لمواكبة مجتمع يتحول بسرعة إلى اقتصاد رقمي يعتمد على الاتصال الدائم والتدفق المستمر للبيانات.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك