أنتلجنسيا المغرب: حمان ميقاتي/م.كندا
إعفاء نور الدين بنسودة من مهامه كخازن عام للمملكة، بعد مسار
طويل امتد لسنوات داخل واحد من أكثر المناصب حساسية في المنظومة المالية، لا يمكن
فهمه كقرار إداري تقني أو تغيير روتيني. الرجل ارتبط اسمه بتدبير صارم لمالية
الخزينة، وبمقاربة قائمة على الانضباط والتدقيق والاحتكام إلى القواعد، وهو ما
جعله في تماس دائم مع الوزراء والقطاعات الحكومية خلال إعداد الميزانيات وتتبع
الصفقات العمومية، في سياق لم يكن يخلو من التوتر والاختلاف في الرؤى.
هذا المعطى يكتسب دلالة أعمق حين يوضع في سياقه العام، خاصة مع
تزامن الإعفاء مع حديث متزايد عن مرحلة انتقالية محتملة داخل بنك المغرب. فعبد
اللطيف الجواهري، الذي بصم على مرحلة مفصلية في تاريخ السياسة النقدية، ارتبط اسمه
بالاستقلالية ووضوح المواقف ورفض إخضاع المؤسسة لمنطق التجميل السياسي، سواء في
التقارير أو في التعاطي مع الحكومة، مع حفاظه على توازنات مالية دقيقة في محيط دولي
وإقليمي شديد التقلب.
في هذا الإطار، يذهب بعض المتتبعين إلى اعتبار إعفاء بنسودة
إعادة تموضع داخل هرم المسؤوليات أكثر منه إبعاداً نهائياً عن دوائر القرار.
فالتجربة التي راكمها في ضبط مالية الدولة، ومعرفته الدقيقة بعلاقات الخزينة
بالقطاع البنكي وبالمؤسسات المالية الدولية، تجعل اسمه حاضراً ضمن الكفاءات
القادرة نظرياً على تحمل مسؤوليات أكبر، من بينها ولاية بنك المغرب في حال طُرحت
فعلاً مرحلة ما بعد الجواهري.
غير أن هذا السيناريو، مهما بدا منسجماً من زاوية الكفاءة
التقنية، يبقى مرتبطاً باعتبارات سياسية ومؤسساتية أوسع. فولاية بنك المغرب لا
تقوم فقط على الخبرة المالية، بل على القدرة على الحفاظ على استقلالية القرار
والوقوف على مسافة واضحة من الحكومة. وهي خصال ميزت الجواهري، ويُقال إن بنسودة
بدوره لا يميل إلى المسايرة حين تتعارض الاختيارات مع قواعد الحكامة والانضباط المالي،
كما عكسته علاقته المتوترة أحياناً مع بعض القطاعات الحكومية.
في المقابل، يضمن تعيين عبد
اللطيف العمراني مديراً عاماً بالنيابة للخزينة العامة استمرارية المرفق، لكنه لا
يبدد الغموض المحيط بخلفيات الإعفاء ولا بتداعياته المستقبلية. كما أن تداول أسماء
أخرى يعكس أن المشهد ما زال مفتوحاً على أكثر من احتمال، وأن ما يجري هو جزء من
إعادة ترتيب هادئة داخل مؤسسات مالية سيادية، في لحظة دقيقة تتطلب توازناً بين
الاستمرارية وضخ دماء جديدة قادرة على الجمع بين الكفاءة والاستقلالية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك